دمشق نقطة تلاقٍ جديدة.. زيارة أوكرانية برعاية تركية وتداعياتها الإقليمية

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية _ رشا عيسى:

في دمشق، لم يكن المشهد عادياً هذه المرة، وعلى مدرج مطارها الدولي، حيث اعتادت الطائرات أن تهبط في عزلة ثقيلة، حطّت طائرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، محمّلة بما هو أبعد من بروتوكول زيارة رسمية، إلى جانبه، وقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في صورة تختصر تحوّلاً لم يعد ممكناً تجاهله.

دمشق التي خرجت من عزلتها تدريجياً منذ كانون الأول 2024، لا تفتح أبوابها هذه المرة للمجاملات، بل تعيد رسم موقعها على الخريطة، القمح الذي شكّل في السنوات الماضية خيط تواصل خجولاً، لم يعد سوى العنوان الظاهر لمسار أعمق، اقتصاد يُعاد تركيبه، وتحالفات تُنسج بهدوء، وتوازنات تُختبر على إيقاع ما بعد الحرب.

ليست زيارة عابرة، ولا خطوة تكتيكية. ما يجري أقرب إلى إعلان غير مباشر بأن سوريا دخلت مرحلة جديدة، من هامش الاشتباك إلى مركز التفاوض، ومن ساحة لتقاطع النزاعات إلى نقطة جذب لمصالح متناقضة تجد في دمشق، مجدداً، مكاناً للالتقاء.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي في حديث لـ”الحرية” أن هذه الزيارة تشكّل نقطة تحول مفصلية في إعادة تموضع سوريا إقليمياً ودولياً.

ورغم أن القمح كان “بوابة العبور” لإعادة العلاقات عبر مبادرات إنسانية، إلا أن الزيارة الحالية، بحسب كويفي، تؤسس لمجالات أعمق في الطاقة وإعادة الإعمار والزراعة وصناعاتها الغذائية، إذ تمتلك أوكرانيا خبرات واسعة في صيانة وتطوير محطات الطاقة الكهربائية والمناجم، وهو ما تحتاجه سوريا بشدة في هذه المرحلة، كما أن الشركات الأوكرانية، خاصة في قطاعات الحديد والصلب والإنشاءات الصناعية، تبحث عن أسواق جديدة لتعويض خسائرها، ما يجعل سوريا ساحة خصبة لذلك.

ويضيف كويفي إن الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في الزراعة لن تقتصر على الاستيراد، بل قد تمتد إلى نقل تكنولوجيا البذور وتحسين الإنتاجية، وإنشاء صوامع غلال حديثة وتقنيات ري متطورة، وصولاً إلى تأسيس مصانع مشتركة للصناعات الغذائية والتحويلية بهدف التصدير الإقليمي.

وباعتقاده، تعيد هذه الزيارة تموضع سوريا كـ”نقطة تلاقٍ” دولية بدلاً من كونها ساحة صراع، حيث إن استقبال رئيس دولة مدعومة بقوة من الغرب يكسر الجمود الدبلوماسي السوري، ويعزز فرص الخروج من العزلة، كما أن الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى العالمية، والانخراط الأوكراني- التركي المشترك، يمنح دمشق “غطاءً” دولياً يخفف من الضغوط السياسية.

ويؤكد كويفي أن هذا التحول هو استراتيجي وليس تكتيكياً، خاصة في ظل حضور وزير الخارجية التركي، ما يعني وجود ضمانات إقليمية (تركية) ودولية لاستدامة هذا المسار، بالتزامن مع ملفات أمنية تربط الاقتصاد بالأمن القومي، وتجعل الشراكة مع أوكرانيا جزءًا من “صفقة شاملة” لاستقرار سوريا.

يشير كويفي إلى أن هذه الزيارة ستنعكس اقتصادياً بزيادة الثقة في السوق السورية، حيث إن دخول الشركات الأوكرانية والتركية رسميا سيعطي إشارة إيجابية للمستثمرين العرب والأوروبيين، وبذلك، تمثل هذه الخطوة إعلاناً عن “سوريا ما بعد الحرب”، التي تختار شركاءها وفق مصالحها الوطنية العليا، وتسعى لترسيخ دورها كلاعب إقليمي ودولي أكثر استدامة، قادر على جمع المتناقضات على طاولة واحدة لإعادة البناء.

Leave a Comment
آخر الأخبار