الثنائيات… كواكب تلمع في ذاكرة الدراما السورية!

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- جواد ديوب:

تدهشنا الدراما السورية، عبر تاريخها الطويل، بثنائيات مميزة يؤديها الممثلون باحترافية كما لو أنها – أي تلك الثنائية- رُكِّبت وفُصّلتْ خصيصاً لهذين الممثلين.
فمنذ ما يمكن أن أسميه بـ”الشخصيات المؤسِّسة” غوار وحسني البورزان (دريد لحام ونهاد قلعي) أو غوار وأبو عنتر ( دريد لحام وناجي جبر) في أعمال صح النوم ومقالب غوار في بدايات بث التلفزيون السوري، مروراً بالكاركترات المتنوعة التي لعبها كل من ( باسم ياخور وأيمن رضا) في أجزاء  “بقعة ضوء”، ثم شخصيتا (جودي أبو خميس وأسعد خرشوف/ الراحل نضال سيجري)، وصولاً إلى (سمعان/أحمد الأحمد وفيّاض/محمد حداقي) في مسلسل “الخربة”…وغيرها.


هذه الشخصيات كلها تجعلني أتيقّن من أن نجاح فكرة الثنائيات الدرامية لا يرتكز فقط على تلك البراعة المذهلة عند الممثلين السوريين الذين لا بد وأنهم أضافوا للشخصيات من روحهم وفهمهم وخبرتهم وارتجالاتهم اللحظية وقت التصوير… بل يرتكز أيضاً على ذاك الاندماج والتمازج المطلق بين مكونات متعددة لا بد من وجودها: (الورق/شكل ومنطوق الشخصية المكتوبة في النص)، مع (الشكل الخارجي/الكاراكتر بكل هندامه ونبرته وثعلبيته أو بلاهته أو إعاقته الجسدية)، مع جينات التمثيل التي يطلقها الممثلون بحيوية وذكاء كما لو أنهم خلقوا لتأديتها، ويضاف إلى ذلك كله نكهةُ الإخراج الجيد والمتمكن، نكهةٌ تجعلُ من تلك العجينة وجبةً شهيةً ومفرحةً ومهضومة، وتتركها تلمع في الذاكرة كأنها كوكبة نجوم ثابتة في سماء الدراما السورية.

رجلٌ وأمرأة!

الثنائيات التي ذكرتُها أعلاه تتشابه بأنها “نماذج كوميدية” اعتمدت بالأصل على واحدة من أساسيات الكوميديا؛ أي على فكرة تقابل الأضداد: طويل/قصير، سمين/رفيع، كريم/بخيل،  هادئ/غضوب، خيِّر/شرير….إلخ
لكن الدراما السورية مليئة أيضاً بالثنائيات المتعلقة بطبيعة القصة في العمل الدرامي، وهذا ما شاهدناه مراراً في معظم المواسم الرمضانية سواء في مسلسلات سورية أو مشتركة (بان أراب) حيث تقصدت شركة الإنتاج والمخرجون أن يكرسوا ممثلين محددين ليكونوا نجومَ هذا الموسم أو ذاك، لأسبابٍ لا تتعلق فقط ببراعة الممثلين أو تاريخهم الاحترافي الطويل، إنما بالشكل التسويقي الأقرب إلى الموضة المنتشرة في السوق الدرامية و بِـ”التريند” الجماهيري الذي تدغدغه رؤية هذين النجمين المشهورين على شاشات الفرجة وصفحات السوشال ميديا ومقاطع الريلز، عدا عن نميميات الفيسبوك واستعراضات الانستغرام!
هكذا برزت ثنائيات مميزة فعلاً، حتى لو تفاوتت في مستويات الأداء، منها: تيم حسن ونادين نجيم ثم تيم حسن وسيرين عبد النور في أجزاء مسلسل الهيبة، ثم تيم حسن ونور علي في “مولانا”، وشاهدنا أيضاً عابد فهد ونادين نجيم في “طريق”،  قصي خولي وسلافة معمار في “أرواح عارية”، ثم قصي خولي وكاريس بشار في “بخمس أرواح”.

تكرارٌ أم تجديد؟

وبعض تلك الشراكات الفنية تبيّنَ أنها لا تصمدُ في الزمن -هل نقول: مع كل أسف؟!-  بمعنى إنها محكومة إما بتقلبات مزاج المنتجين أو بتماوجات العلاقات الشخصية بين الممثلين أنفسهم، أو بأن النص المكتوب لا يحتمل إنتاج أجزاء ثانية وثالثة تُمكِّن تلك الثنائيات من الاستمرار بأداء الشخصيات/النماذج.
لكن للبعض رأي مختلف في مسألة الاستمرار هذه، حيث يقولون: إن من طبيعة فن التمثيل هو التجربة والتجديد والتغيير، وفتح شبابيك مغايرة، وعبور مغامرات مشحونة سلفاً بأدرينالين التشويق واللامتوقع… لذلك يفضِّل بعض النجوم أن يتوقفوا عند تلك القمة من النجاح الذي حققوه في تلك الثنائية، فيما يسعى بعض الممثلين ممن سبق وأدوا ثنائيات محددة؛ لأن يلعبوا أدواراً مشابهة تحتمل التشابهات والتقاطعات لكنهم يضيفون عليها لمساتٍ ونكهات جديدة، كما فعل محمد حداقي وأحمد الأحمد حين لعِبا شخصيتي “خلف ومهاوش” في مسلسل الطواريد الاجتماعي الكوميدي المشغول باللهجة البدوية في بيئة خليجية!
أو كما تحاول اليوم الممثلة أمل عرفة في خلق نوعٍ مشابه لثنائيةٍ ما مع الفنانة نادين تحسين بك في مسلسل “يا أنا يا هي/الموسم الثاني”… بعد ثنائيتها الشهيرة المحببة (دنيا أسعد سعيد وطرفة) مع الفنانة المميزة شكران مرتجى.

غيابُ حِسّ الدعابة!

هل نجحت هذه الثنائيات الجديدة؟ هل تركت ذاك الأثر الوجداني والفكري عند المشاهدين كما فعلت تلك السابقات؟
أحسب أننا سنظلمها بالمقارنة، ولن نكون منصفين في تقييم كلٍّ منها… لسبب مهم جداً باعتقادي هو تأثير سنيّ الحرب الطويلة التي خلخلت ليس فقط نفوسَ الممثلين باعتبارهم بشراً وليسوا جبابرة خارقين، إنما أيضاً جعلت كُتّابَ النصوص الكوميدية تحديداً  يُضيّعونَ ذاك المَلمح من الهضامة عندهم، بل تكادُ سنون الخسارات وعذابات النزوحات المتتالية تجعلنا غيرَ قادرين على الإحساس بالدهشة أمام أي عمل درامي مهما بلغت درجة جمالياته الفنية أو كوميدياه…
كأن ما نعيشه واقعياً فيه من الدراماتيكية السوداء ما يطغى على ما تبقى من قدرتنا على السخرية منه والضحك عليه بوصفه عملاً فنياً درامياً مسلياً.

Leave a Comment
آخر الأخبار