الحرية ـ بقلم يسرى المصري:
ثمة رسائل يتم التقاطها من هنا وهناك مع ابتسامات أنيقة ..إنها رسائل مُشفَّرة بلغة المصالح، تصل عبر وسطاء وورق تقارير ماذا ينتظر سوريا في المستقبل وفق رؤية دافوس؟
تعود سوريا لتطل من بين السطور غير المكتوبة في جدول أعمال دافوس. إنه حضورٌ من نوع خاص، حضور “الكواليس” و”الممرات الجانبية” و”جلسات العشاء المُغلَقة”، حيث تُناقش الأزمات المستعصية بمنطق الأرقام والمصالح، بعيداً عن أضواء الكاميرات وخطب المنصات الرسمية.
الاهتمام هنا هو اهتمامٌ بالمخاطر وبالفرص الضائعة التي قد تُستعاد إنه اعتراف ضمني بأن سوريا، لا تزال “مشروعاً” له وزنه الجيوسياسي والاقتصادي. فالمجتمعون في دافوس لا يهتمون بمأساة إنسانية فحسب، بل يدركون أن استقرار منطقة بأكملها – من منابع النفط إلى طرق التجارة إلى ملف الهجرة – لا يزال معلقاً بمصير هذه البقعة من الأرض..
يُختزل الملف السوري إلى معادلات عملية قاسية في أحيان، وواقعية في أحيان أخرى .. في تلك الزوايا المغلقة، البداية من معادلة التكامل فسوريا ليست جزيرةً منعزلة. الحديث يدور حول كيفية إعادة ربطها بشبكات الطاقة والغاز والنقل والاتصالات الإقليمية، وهو ما يتجاوز بكثير فكرة إعادة بناء المنازل والجسور.
ومن ثم معادلة الاستثمار.. لا مجاملات .. لا أموال دون ضمانات، ولا ضمانات دون استقرار سياسي وقانوني ملموس. الرسالة واضحة..إعادة الإعمار مشروع استثماري ضخم، وليس عملاً خيرياً.
العيون ترصد ما يحدث في سوريا .. من خلال هذا الحوار الخفي يرسم دافوس مسارين محتملين الأول هو استمرار الوضع الراهن، في هذا السيناريو يقتصر الدعم على الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية، بينما تُجمَّد أي خطط تنموية كبرى.
المسار الثاني وهو ما يتم مناقشته بأمل حذر، وفيه تصبح سوريا سوقاً ناشئاً وطريقاً للعبور. هذا المسار مشروط بـ “صفقة كبرى” سياسية وأمنية، توفر الأرضية للبدء بمشاريع إعادة إعمار انتقائية، تبدأ ربما بالموانئ والطاقة والبنى التحتية الإستراتيجية التي تخدم التكامل الإقليمي.
والسؤال الذي يحتاج الى فضاء ما هي الشراكة المطلوبة ..؟ العالم لا ينتظر، ولكنه قد يشارك.. لا يتوقع المجتمع الدولي أن تعيد سوريا إعمار نفسها وحدها، ولكنه ينتظر إشارات جدية للإصلاح والانفتاح لبدء الحوار.
وهذا يعني الانطلاق من نظرة واقعية ..”لن يُبنى كل شيء مرة واحدة”. الخطط الكبرى قد تُرسم على الورق، ولكن الطريق يبدأ بخطوات عملية صغيرة كتحسين مناخ الأعمال، تشريعات الاستثمار، مكافحة الفساد، إعادة الثقة بالنظام المصرفي والقضائي.
ما نقرأه بين السطور .. دافوس لا يعد سوريا بجنة معمارية أو بفردوس اقتصادي. إنه يقدم مرآة قاسية وواضحة .. العالم جاهز للتجاوب مع أي تحول جدي داخلي، لكنه لم يعد مستعداً لتحمل المخاطر وحدها.. المستقبل الذي يتحدثون عنه في الكواليس ليس هبة، بل هو نتيجة محسوبة لخيارات ستُتخذ، أو لن تُتخذ، في دمشق قبل جنيف أو دافوس. الباب موارب، والمفتاح بيد من يصنع الاستقرار الحقيقي، لا من يعلنه فقط.
إنّ هذا الاهتمام النخبويّ يُشير إلى حقيقة عميقة فسوريا، بحسابات القوة والمال، تعود بقوة إلى الخريطة لتبقى قطعةً أساسيّة في لغز استقرار الشرق الأوسط، وممراً محتملاً للطاقة والتجارة، ومفتاحاً لمعضلة الهجرة. لذا، فإنّ الحديث عن مستقبلها هو في الجوهر حديث عن هندسة المنطقة القادمة.
والاقتناع بأنّ مفتاح دافوس – وجميع أبواب العالم – مصنوعٌ في الداخل أولاً وأخيراً.