الحرية – جهاد اصطيف :
تشهد أسواق مدينة حلب حالة ركود اقتصادي لافتة، تحولت تدريجياً إلى واقع شبه دائم يثقل كاهل التجار والمستهلكين على حد سواء، وبينما كانت التوقعات تشير إلى تحسن موسمي في حركة البيع خلال شهر رمضان المبارك، جاءت المؤشرات على الأرض مخالفة تماماً، لتكشف عن أزمة معيشية مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية عدة، أبرزها ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
وفرة في السلع .. وغياب للمستهلك
وبالرغم من امتلاء الأسواق بمختلف الأصناف المحلية والمستوردة، يشكو التجار من تراجع غير مسبوق في حركة البيع، ويقول أمير حلبي أحد مندوبي المبيعات في شركة معجنات في حديث لـ ” الحرية ” إن السوق في حلب يشهد انخفاضاً واضحاً في حجم المبيعات مقارنة بالسنوات الماضية، مشيراً إلى أن المشكلة لم تعد في توفر البضائع، بل في غياب المستهلك القادر على الشراء.
ويعزو هذا التراجع إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، إضافة إلى عزوف بعضهم عن العمل بسبب تدني الأجور مقارنة بمتطلبات الحياة اليومية، رغم أن بعض الأعمال الحرة قد تدر دخلاً يفوق رواتب الموظفين الحكوميين.
ورغم الآمال التي علقت على شهر رمضان لتنشيط الأسواق، بقيت المبيعات عند مستويات منخفضة، الأمر الذي دفع كثيراً من التجار إلى الشعور بالإحباط وفقدان الحافز للاستمرار في العمل.
تآكل المدخرات وتراجع الحركة التجارية
يستعيد بعض أصحاب المحال التجارية الأشهر الأولى التي أعقبت التحولات السياسية في البلاد، حيث شهدت الأسواق حينها حركة شراء جيدة نسبياً، مع احتفاظ كثير من المواطنين بمدخراتهم، إضافة إلى ظهور فئات جديدة امتلكت سيولة مالية واستفادت من المتغيرات الاقتصادية،لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، إذ بدأت تلك المدخرات بالتآكل تدريجياً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وخاصة أجور النقل التي أصبحت تشكل عبئاً يومياً على العاملين القادمين من القرى إلى المدينة.
ويشير بعض تجار المدينة إلى أن متوسط أجور النقل اليومية قد يصل إلى نحو ” 500 ” ليرة سورية جديدة، في وقت لا يتجاوز فيه متوسط الراتب الشهري قرابة 100 دولار أميركي.
ويصف محمد أحمد صاحب محال تجاري وضع السوق حالياً بأنه ” بائس “، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار مقابل تراجع واضح في حجم المبيعات، حتى خلال المواسم التي كانت تشهد نشاطاً تقليدياً في السابق.
اختفاء الطبقة الوسطى
من أبرز التحولات التي يلاحظها التجار في أسواق حلب اختفاء الطبقة الوسطى التي كانت تشكل عماد الحركة التجارية، فهذه الشريحة كانت تعتمد نمطاً استهلاكياً معتدلاً ومستقراً، ما ساهم لسنوات طويلة في تحقيق توازن نسبي داخل السوق.
أما اليوم، فيرى التاجر أحمد أن المشهد بات منقسماً بحدة بين فئتين : فئة محدودة تملك قدرة مالية مرتفعة، وأخرى واسعة تعاني من الفقر وضعف الدخل، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الطلب داخل الأسواق.
منافسة المراكز التجارية
إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، يشير أحمد إلى أن دخول رؤوس أموال جديدة إلى قطاع البيع بالمفرق وافتتاح مراكز تجارية كبيرة أسهم أيضاً في إضعاف قدرة المحال الصغيرة على المنافسة، فالمراكز التجارية الكبرى تتمتع بقدرة أعلى على تقديم العروض والتخفيضات، إضافة إلى إمكانات تسعير لا تتوفر للمحال الصغيرة.
وقد أدى ذلك إلى تراجع دور المشاريع التجارية الصغيرة التي كانت تشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي في المدينة خلال السنوات الماضية.
أعباء معيشية متزايدة
من جهة المستهلكين، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تعكسه مؤشرات أسعار بعض السلع، إذ يقول المواطن صالح رجب إنه ينفق نحو 100 دولار شهرياً على الغذاء فقط من أصل دخل يبلغ 150 دولاراً، ما يعني أن ثلثي راتبه يذهب لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ورغم الانخفاض النسبي في أسعار بعض المواد الغذائية خلال عام 2025، مثل البيض والدجاج وبعض المعلبات، فإن ارتفاع تكاليف النقل والتدفئة والكهرباء ألغى عملياً هذا التحسن، ليبقى الضغط المعيشي قائماً بل ويتفاقم لدى شريحة واسعة من السكان.
كما يشير بعض المواطنين إلى أن قرارات منع استيراد بعض السلع بهدف حماية المنتج المحلي أدت في بعض الحالات إلى ارتفاع أسعار مواد أساسية، في ظل غياب رقابة فعالة على الأسعار، الأمر الذي يجعل سعر السلعة الواحدة يختلف أحياناً بين محل وآخر ضمن الشارع نفسه.
تحولات قاسية في سوق العمل
لم يقتصر تأثير الأزمة الاقتصادية على الأسواق فحسب، بل امتد إلى سوق العمل أيضاً، فقد اضطر عدد من الموظفين الذين فقدوا وظائفهم الحكومية أو من بقي منهم في وظائفهم إلى البحث عن أعمال مؤقتة أو منخفضة الأجر لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
وتعكس قصص كثيرة هذا التحول، فموظف سابق بات يعمل في تنظيف السيارات، بينما يعمل آخر في خدمات بسيطة بأجور زهيدة، في صورة تلخص التحولات القاسية التي طرأت على بنية سوق العمل وانعكاساتها المباشرة على الاستهلاك والطلب.
خبير اقتصادي : المشكلة في ضعف الطلب لا في العرض
الخبير الاقتصادي فادي حمود يرى خلال حديثه لـ ” الحرية ” أن ما يحدث في أسواق حلب يعكس خللاً واضحاً في التوازن بين العرض والطلب، ويقول إن الأسواق تعاني حالياً من تضخم في العرض مقابل تراجع حاد في الطلب نتيجة ضعف القدرة الشرائية لدى غالبية السكان.
ويضيف أن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة الدخل الحقيقي يؤديان إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة الأسواق.
كما يشير إلى أن غياب رقابة فعالة على الأسعار، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، يضاعف من الضغوط على المستهلكين والتجار معاً.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن معالجة هذا الركود تتطلب حزمة من الإجراءات، أبرزها تحسين مستوى الدخل، وتنشيط فرص العمل، وضبط الأسعار، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة التي تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
اقتصاد يتجه نحو الانكماش
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ما تشهده أسواق حلب اليوم يتجاوز كونه أزمة موسمية عابرة، ليتحول إلى مؤشر على مسار اقتصادي يتجه نحو مزيد من الانكماش ، فمع تراجع السيولة لدى المواطنين، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل الطبقة الوسطى، إضافة إلى غياب الرقابة الفعالة على الأسعار، تواجه الأسواق تحديات متزايدة قد تستمر ما لم تتخذ إجراءات اقتصادية تعيد التوازن بين مستويات الدخل وأسعار السلع.
وبين رفوف المتاجر المليئة بالبضائع وطرقات الأسواق التي خفت فيها حركة المتسوقين، تتجسد صورة واضحة لأزمة معيشية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد المحلي في المدينة.