رُبَّ ضارة نافعة

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- صالح صلاح العمر:

في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وما تشهده المنطقة من صراعات متشابكة بين قوى إقليمية ودولية، يبرز وجه آخر للأحداث قد لا يكون واضحًا للوهلة الأولى، فكما يقول المثل العربي القديم: “رُبَّ ضارة نافعة”، قد تحمل الأزمات في طياتها فرصًا غير متوقعة، إن التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعاد تشكيل ملامح الجغرافيا السياسية والاقتصادية في المنطقة، وبينما تنشغل الأطراف الكبرى بإدارة صراعها، بدأت بعض الدول في البحث عن فرص لإعادة التموضع وتعزيز دورها الإقليمي.
من الحدود السورية–العراقية، حيث تنبض حركة البرّ بخطواتٍ واثقة، وصولاً إلى النواقل البحرية في بانياس، ترسم سورية ملامح مرحلة جديدة تعود فيها لتكون “بوصلة العبور” ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة في المنطقة
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتُعاد صياغة خرائط الطاقة ومساراتها، تبرز سوريا مجددًا كلاعبٍ محوري يستفيد من موقعه الجغرافي الفريد، الرابط بين منابع الطاقة في الشرق وأسواق الاستهلاك في الغرب، هذه العودة ليست مجرد تطور اقتصادي، بل تعبير عن قدرة الدولة على استعادة دورها الطبيعي ضمن معادلات الإقليم، فمع تزايد الحاجة الأوروبية لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على بعض المسارات التقليدية، تبرز فكرة إعادة إحياء خطوط نقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية، سواء من العراق أو من دول الخليج.
إن تفعيل خطوط نقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية، وربطها بالمرافئ البحرية، يمنح المنطقة خيارًا استراتيجيًا إضافيًا يعزز أمن الطاقة ويزيد من مرونة الإمدادات، كما يفتح الباب أمام شراكات أوسع مع الدول العربية، ويعيد إحياء مفهوم التكامل الاقتصادي الذي طالما شكّل هدفًا مشتركًا، والأهم من ذلك، أن هذه الخطوة تنعكس إيجابًا على الداخل السوري، من خلال تنشيط البنية التحتية، وخلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج والخدمات، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويمهد لمرحلة إعادة البناء.
إن ما نشهده اليوم هو مثال حي على أن الأزمات، مهما اشتدت، قد تحمل في طياتها فرصًا كامنة، وسوريا الجديدة التي دفعت أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية، تبدو اليوم أكثر قدرة على تحويل التحديات إلى مسارات للنهوض، وتغير مفهوم المحنة إلى منحة، وخطوة تعزز مصالحنا الوطنية، ما يدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي نحو آفاق أوسع، حيث تتحول الجغرافيا من عبءٍ إلى قوة، ومن ساحة صراع إلى جسرٍ للتعاون والتنمية.
في أخر المطاف ، تبقى الحقيقة الثابتة أن الأزمات، مهما بلغت حدتها، ستنتهي ومن ثم تُعيد رسم الخرائط وتخلق فرصًا جديدة، والسؤال ليس فقط من ينتصر في الصراع، بل من ينجح في استثمار نتائجه لصالحه، وهنا مربط الفرس.

Leave a Comment
آخر الأخبار