زخرفة الفسيفساء تحكي عراقة فن الموزاييك في جنوب سوريا

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – وليد الزعبي:

عرفت سوريا الفسيفساء رائعة المضامين دقيقة التصنيع في جميع عصورها، لا كما كثير من بلدان العالم التي عرفت صناعة الفسيفساء لحقبة أو حقبتين من تاريخها، وقد اشتملت على أنواع كثيرة من الزخارف وذلك تبعاً للفترة التي صنعت فيها وهو ما يمكن من التعرف عن كثب على الحضارات التي سبقتنا.

وأوضح رئيس دائرة آثار درعا الدكتور محمد خير نصر الله في تصريح لـ”الحرية” أن سوريا شهدت صناعة الفسيفساء عبر العصور القديمة الهلنستية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، وتجلى ذلك على الجدران الشامخة والأرضيات في القصور والكنائس والمعابد والمساجد، مبيناً أن فن الفسيفساء هو فن تشكيلي زخرفي في طريقة تنفيذ روائعه، وباهظ التكاليف يتطلب وقتاً طويلاً لإنجازه وجهداً خاصاً على تحمل متاعبه.

وعرض نصر الله للفسيفساء المكتشفة في حوران، ولا سيما تلك اللوحة في أرضية كنيسة بلدة حيط المطلة مباشرةً على وادي اليرموك، أما مواضيع وأشكال الفسيفساء فكانت رائعة تعبر عن الفن الرفيع للموزاييك في جنوب سوريا، وتنوع الموضوع بين الهندسي والنباتي والإنساني، ومن التزيينات المنفذة بدقة مزهرية ذات مقبضين مزينين بزخارف هندسية ونباتية، وتنبثق من فوهتها أغصان نباتية تشكل دوائر توجد ضمنها أشكال طيور ولكنها مخربة (مطموسة)، ومغطاة بالكلس قديماً، وتتدلى من الأغصان أوراق وعناقيد عنب، وهذا المشهد تكرر وجوده في العديد من الكنائس المنتشرة في سوريا والأردن وفلسطين، ومن التزيينات أيضاً أشكال هندسية ضمن إحداها صورة رجل يمسك بيد غصن الزيتون وبالأخرى عصا مربوط بها وشاح يضعها على كتفه، وتمثل الراعي الصالح (السيد المسيح – رسول المحبة والسلام)، وهناك شكل آخر يمثل الغورغون (ميدوزا) بجانب شكل الراعي الصالح من الجهة الشمالية، ويشير ذلك إلى تأثر الفن المسيحي المبكر بالفنون الكلاسيكية القديمة اليونانية والرومانية، كما هناك أشكال أخرى مثل أرنب يركض وديك وطيور تظهر بعض أجزائها.

وقدم رئيس الدائرة مثالاً آخر عن اللوحات المكتشفة في بلدة دير العدس والتي نقلت إلى قلعة بصرى وعرضت على جدار رواق التماثيل، وهي من الفسيفساءات المهمة وتتألف من عدة مشاهد الأول مثل فيه رجل اسمه (موكازوس) الجمال كما تشير إلى ذلك كتابة يونانية فوق رأسه وهو يقود قافلة مؤلفة من أربعة جمال، وتحت المشهد الأول يرى مشهد ثان يحيط به من الأعلى إطار الزخارف المضفورة ويتألف المشهد الثاني من صياد يطلق كلبه وراء مجموعة من الأرانب، أما الثالث فهو يقدم تفاصيل جديدة عن الوسط الطبيعي الذي جرى فيه، وهو وسط البادية، ويبدأ من اليمين بشجرة ممثلة بشكل بسيط، ثم يرى وحشان (حيوان الضبع والذئب) ضاريان يهاجمان رجلاً، إضافة إلى لوحة أخرى وجدت بمضامين هندسية مشغولة بقطع رخامية ذات لون أبيض.

كذلك تم في العقد الأخير من القرن الماضي اكتشافات لوحات فسيفسائية على ضفاف وادي اليرموك وهي عبارة عن أرضيات، وحسبما ذكر رئيس دائرة الآثار فإن دراسة هذا الفن دخلت مرحلة هامة أضافت إلى ما تم اكتشافه سابقاً من فسيفساءات في شهبا وبصرى ودير العدس معطيات هامة سلطت الضوء على الإطار التاريخي لمسيرة فن تصنيع الفسيفساء في منطقة حوران، مشيراً إلى أن التنقيبات الحديثة في وادي اليرموك سلطت الضوء على العصر البيزنطي وزخارفه المعمارية الدينية، والتي يمكن تأريخها ما بين القرن الرابع والسادس الميلادي، وتضمنت العناصر الأساسية لفسيفساء وادي اليرموك الطيور وأشكال نباتية ومزهريات. بينما استخدمت أحياناً كمشاهد تعبر عن خلق الله، مصحوبة بحيوانات ونباتات، وتشير بعض النقوش الكتابية الموجودة على بعض اللوحات إلى تنوع المانحين من مراتب اجتماعية مختلفة وتاريخ التشييد لتلك المباني.

Leave a Comment
آخر الأخبار