الحرية- جواد ديوب:
عانى السوريون عبر السنوات الماضية ما عانوه من ألم وتهجير وفقدان ونزوح وفقر… وكان الكتاب -حتى المدرسي التعليمي منه- في آخر سلم اهتماماتهم. كان يبدو رفاهيةً زائدة عن اللزوم حين تصبح الحياة اليومية لديهم متوقفة على خبزهم كفاف يومهم، بل أصبح “الخبز المعرفي” محروقاً بنار الهموم وجمر الحاجة.
ابتعاد عن الواقع!
وتأرجح القراء السوريون بين من يهرب من الكتاب بوصفه “خزعبلات” لا تجلب إلا مزيداً من الابتعاد عن الواقع والعيش في العزلة، ومن يلجأ إلى هذه العزلة مع الكِتاب تحديداً، مستمتعاً بفضائلها وتهويماتها الحالمة كي ينسى قسوة المعيش اليومي ورعب اللامتوقع!
“الحرية” جالت بين زوار معرض دمشق الدولي الحالي، واطلعت على بعض الآراء فيما يخص تأثير الحرب والنزاع على علاقتهم بالكتب.
فقالت نغم معلا أستاذة تصميم رقصات في المعهد العالي للفنون المسرحية:
“لم يعد لي جَلَد على القراءة. أهرب إلى ما يلهيني أكثر، إلى وسائل التواصل ومقاطع الريلز السريعة والأفلام المتحركة التي تساعدني على نسيان الوجع العام. القراءة تحتاج إلى هدوء وتفرغ. الصور الواقعية صعب أن تتخلص منها في رأسك. صورٌ وأحداث صادمة لدرجة أنني أحياناً أنسى الأكل والشرب كحاجات أساسية للعيش.”
معلّا تتحسر على ما آلت إليه حالُها وتذكر أنه “لم يكن الكتاب يفارقني قبل ٢٠١١ لكن الترقب والحذر والخوف والفقدانات والرحيل من مكان إلى آخر، كلها جعلت الكتاب بكل أسف من منسيات يومياتي.”
كرمى لأولادي!
استوقنا أحد الزوار يحمل مجموعة أكياس من الكتب، ومازحناه بأن هذه الكمية من الكتب تعني أولاً أنه مدمن على القراءة، وثانياً أن لديه قدرة على شراء هذا الكم من الكتب، فأجابنا بابتسامة:
“بصراحة أنا شخصياً اختصاصي هندسة إلكترون، ولا أجد أي وقت للقراءة بسبب طبيعة عملي والساعات الطويلة التي أقضيها خارج البيت، لكني اشتريت هذه الكتب لأولادي، لأنني أتمنى عليهم ألا يكونوا مثلي في إهمال القراءة، أحاول معهم وأدربهم على أن تكون لديهم مكتبة خاصة بهم في المنزل حتى لو درسوا اختصاصات علمية لاحقاً.”
المعرض فرصة نادرة!
وتشاركه في هذا الرأي ريتا حرب (أمٌ لولدين) فهي تبحث بإصرار على ما يمكن أن ينسي ولديها ولعهم بالموبايلات وتطبيقات الألعاب التي تكاد تقضي على عقولهم، تقول للحرية:
“لست ممن يقرؤون بكثافة، وليس لدي حالياً أي وقت إضافي يساعدني على القراءة، فبين عملي كمدرسة ومشاغل تربية الأولاد وواجبات الأسرة أكاد لا أجد وقتاً للراحة أبداً، فكيف بساعتين للقراءة في اليوم… إنه أمر شبه مستحيل!”
وتكمل موضحةً: “معرض الكتاب الحالي هو فرصة نادرة وحلوة، أولاً كفسحة ومشوار تحتاجه هي وولداها، وثانياً لكي يشاهدوا بأعينهم أن هناك بدائل حلوة ومفيدة وممتعة بعيداً عن شاشات الموبايل التي خرّبت لهم أعينهم وعقولهم”…حسب توصيفها.
نافذة تطل على الجديد!
فيما أوضحت لنا زائرة، رفضت ذكر اسمها، أن معرض الكتاب بدورته الاستثنائية الحالية يشكل بالنسبة لها “متنفساً ونافذة انتظرتها طويلاً لتطل منها على منشورات دور النشر العربية التي حُرمنا منها طويلاً، وقالت إنها من هواة قصص الأنبياء والكتب الدينية، لكنها تحب الروايات العربية أكثر من تلك المترجمة، وأن الحرب لم تمنعها أبداً من رفقة الكتب، بل هي تقرأ لساعاتٍ طويلة لنفسها؛ وتقرأ لأمها أستاذة اللغة العربية المتقاعدة منذ زمن بعيد والتي أصبحت تجد صعوبةً في رؤية الكلمات”.