سقوط الجمرات… قراءة علمية في تحول ميزان الحرارة وبداية الربيع

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة إسماعيل:

يترقب كثيرون في العشرين من شباط ما يعرف شعبياً بـ “سقوط الجمرة الأولى”، بوصفه إيذاناً بانكسار موجة البرد وبداية التحول التدريجي نحو دفء الربيع، بين الدلالة التراثية والتفسير العلمي، يوضح أستاذ علم المناخ في جامعة اللاذقية الدكتور رياض قره فلاح الخلفية المناخية الدقيقة لهذه الظاهرة.

المواعيد الثلاثة… مؤشرات زمنية للدفء

أكد أستاذ علم المناخ في قسم الجغرافية – جامعة اللاذقية الدكتور رياض قره فلاح لـ”الحرية” أن سقوط الجمرات الثلاث يشكل مؤشراً زمنياً على بداية انتشار الدفء وتراجع شدة البرد الذي يطبع شهري كانون الثاني وشباط.

وبيّن أن الجمرة الأولى، وتسمى “الجمرة الصغرى”، تصادف 20 شباط وفق التقويم الغربي، تليها الجمرة الثانية في 27 شباط، ثم الجمرة الثالثة “الجمرة الكبرى” في 6 آذار.

من جمرة الهواء إلى جمرة الأرض

أوضح أن الجمرة في اللغة هي القطعة المتقدة من الفحم أو الخشب، وقد ارتبطت التسمية بما يحدث فعلياً في الطبيعة مع بدء تحرر الدفء من الأرض.

فالجمرة الأولى تعرف بـ”جمرة الهواء”، حيث يلمس الناس اعتدالاً نسبياً في حرارة الجو، والثانية “جمرة الماء”، إذ تبدأ المياه بفقدان برودتها الشديدة، أما الثالثة فهي “جمرة الأرض”، حيث يبرز أثر الدفء في التربة بشكل أوضح.

التفسير العلمي… تعادل إشعاعي وربح حراري

وتابع د. رياض أن ما يحدث علمياً في 20 شباط يتمثل في تعادل ما تكسبه الأرض من الإشعاع الشمسي مع ما تفقده من إشعاع أرضي، وبعد هذا التاريخ تبدأ الأرض بتحقيق ربح حراري صاف، إذ تصبح كمية الطاقة المكتسبة أكبر من المفقودة، لذلك اعتبر هذا اليوم موعداً تقليدياً لسقوط الجمرة الأولى.

الجذور التاريخية

وأشار إلى أن جذور المصطلح تعود إلى ما أورده القزويني في كتابه “عجائب الخلق” 73، إذ تحدث عن عادة قديمة كان الناس خلالها يقيمون ثلاثة أخبية متداخلة شتاء، ويشعلون النار فيها طلباً للدفء، ومع تحسن الطقس يخرجون تدريجياً ويخففون إشعال النار، فيُقال إن “جمرة” تسقط في كل مرحلة، في دلالة رمزية على تراجع البرد.

وأضاف: إن هذا المعنى الرمزي تطوّر ليصبح توصيفاً لمراحل الانتقال الحراري في الربيع؛ فسقوط الجمرة الأولى يعبر عن بداية انحسار البرد القارس، والثانية عن بدء الإحساس الفعلي بدفء الربيع، أما الثالثة فترمز إلى وضوح أثر حرارة الشمس.

مؤشرات طبيعية مرافقة

ولفت إلى أن سقوط الجمرة الأولى يتزامن مع مظاهر طبيعية واضحة، منها ظهور “دودة أبو قطيف” (دودة الربيع) التي تبدأ دورة حياتها مع ارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن ازدياد معدلات التبخر في الأراضي الرطبة والمحروثة جيداً خلال النصف الثاني من شباط والنصف الأول من آذار، حيث يتصاعد البخار على شكل أعمدة تشبه الدخان، وهو ما اعتبره القدماء مؤشراً مؤكداً على دفء التربة.

بين العلم والموروث

ونوه د. رياض إلى أن سقوط الجمرات من الناحية العلمية صحيح من حيث توقيته التقريبي، إذ قد يتقدم أو يتأخر أياماً تبعاً للظروف الجوية، ويرتبط بتحول ميزان الطاقة الحرارية لمصلحة الاكتساب، غير أنه لا يعني تساقط حرارة من جرم الشمس كما ورد في كتاب الآثار الباقية للعالم البيروني، بل هو نتيجة تغير في العلاقة الإشعاعية بين الأرض والشمس.

نقطة تحول مناخية

بهذا التفسير، تتجلى ظاهرة سقوط الجمرات بوصفها نقطة تحوّل مناخية تجمع بين الذاكرة الشعبية والمعطيات العلمية، معلنة بداية انكسار الشتاء واستقبال الربيع بخطواته الأولى.

Leave a Comment
آخر الأخبار