سلامة الأغواني في “مطبخ المدينة”.. صوت البسطاء الباقي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ لبنى شاكر:
يُحسب لصنّاع مسلسل “مطبخ المدينة”، المخرجة رشا شربتجي، والكاتبان علي وجيه وسيف رضا حامد، استحضارهم لرائد المونولوج الناقد الفنان سلامة الأغواني (1907-1982)، والذي كان لنحو نصف قرنٍ علامةً فارقة في نوعٍ فنيٍّ لم يُجارِه فيه أحد. ومن المفارقة أن تتماشى كلمات الراحل وانتقاداته، رغم ما مر عليها من زمن، مع ما تعيشه الشخصيات المعاصرة من هواجس وأحزان، في ظل غياب أغنية ناقدة قادرة على تحقيق حضور يُذكر.
هذا الغياب يعيدنا بالضرورة إلى البحث في سيرة الأغواني؛ فبالرغم من عدم وجود رقمٍ مُؤكّد لعدد المونولوجات التي قدمها، إلا أن الباحث الموسيقي أحمد بوبس استطاع توثيق حوالي مئة منها في كتابه الصادر عام 2005 بعنوان “رائد المونولوج الناقد”. ولعل أشهر تلك الأعمال ما قدّمه الراحل في برنامج “آدم وحواء” الإذاعي، ثم عبر شاشة التلفزيون السوري، وفيه يقول: “في غلطة بهالحياة، وطعنة بحق الستات، ليش الست بنص عقل، وعقل الكامل للخواجات، فتّش بالمستشفيات وفتّش بالعصفوريات، وفتّش ع لواح القبور، وشوف ضحايا هالستات”.

في رصيد الأغواني مجموعة مونولوجات ضاحكة وساخرة انتقد فيها ظواهر وعادات مجتمعية

عن نشأة الأغواني

نشأ الأغواني في حارة شعبية في القيمرية، وتأثّر في طفولته بوالده الذي امتلك مستوى ثقافياً جيداً ومكتبة ضخمة، وسرعان ما تفوّق على أقرانه، فاخترع سينما على الفحم الحجري، حيث كان الفحم يتوهج خلف شاشة من القماش الأبيض، كما ظهرت عنده هواية الوزن اللفظي. لكن ما لا يعرفه البعض أن لكنية الأغواني حكاية، استُخدِمت بموجبها عوضاً عن الاسم الحقيقي “المصري”، يشرح بوبس: “كان الاستعمار التركي يقود الشباب العرب إلى الحرب العالمية الأولى السفربرلك ، لذلك اخترعتْ عائلته اسماً يُوحي بأن أصله من أفغانستان، حتى لا يُساق إلى الجندية”.
كتب الأغواني وهو دون العاشرة عن دوريات الجنود الأتراك الباحثة عن الهاربين من التجنيد، ووصف زَجلاً المشانق المعلقة في شوارع دمشق، وفي السادسة عشرة من عمره كتب أزجالاً وطنية مُعادية للمُستعمر الفرنسي، وفي مرحلةٍ لاحقة توجّه نحو المونولوج المُغنى، وأصدر مجلة “الكرباج” لنشر الأزجال، لكنها أُوقفت بسبب ملاحقة سلطات المحتل، يُضيف بوبس: “أول ما غنى في فن المونولوج، مونولوجين ظهرا معاً على وجهي أسطوانة واحدة “نحنا الشوفيرية” و”اسمعوا يا أهلية” عام 1927، لحنهما صبحي سعيد، والمُلاحظ فيهما أن الموسيقا بسيطة ذات تركيبٍ لحنيٍّ محدود، لأن الأهمية للكلمات، وليس للموسيقا سوى دورٍ تمهيدي”.

قدّم المونولوج السياسي بمباشرةٍ ووضوحٍ جعلا منه ندّاً للاحتلال

محطات من حياته

اعتُقل الزجّال عدة مرات، حتى إنه في إحدى زجلياته يصف زيارته لسجن المزة، ومن أبرز ما كتبه ضد الفرنسيين “البيت بيتنا، والأرض لأبونا، وبأي عين، جايين تنهبونا”، وفي مونولوج آخر “لعند هون وبس، شبعتونا رص، شافنا الدكتور وقال، منضاين يومين وبس”، ولأن مونولوجاته تحولت إلى شعاراتٍ لهتافات المتظاهرين ضد الاحتلال، صَدر قرارٌ بنفيه إلى بلده المزعوم أفغانستان، ولم يعد إلا بعد تسعة أشهر، بوساطةٍ من أول رئيس للجمهورية محمد علي بك العابد عام 1932 على ألا يتكلم بالسياسة، وهو ما لم يستطع الالتزام به بالطبع.
وفي رصيده أيضاً مجموعة مونولوجات ضاحكة وساخرة انتقد فيها ظواهر وعادات مجتمعية، لم يجرؤ غيره من الفنانين على الاقتراب منها، وقبل هذا كله كان تقديمه المونولوج السياسي، بمباشرةٍ ووضوحٍ جعلا منه ندّاً للاحتلال، حتى وصفه بوبس “مناضل الكلمة واللحن والمُصلح الاجتماعي”. ومع الأسف اليوم لا نرى حضوراً لهذا الشكل من النقد، والسبب يعود إلى أن المونولوج يحتاج مُطرباً ومُمثلاً في الوقت نفسه، بمعنى يجب أن يتمتع المُؤدي بخامة صوتٍ جميلة وأداءٍ عفويٍّ صادق، وهو ما لا يتوفر بالشكل المطلوب مع القدرة على التقاط التفاصيل والنقد من دون تجريحٍ أو إساءة.
ومما كتبه بمناسبة معاهدة 1936 التي تعترف فيها فرنسا باستقلال سورية “أهلاً برجال سورية، أهلاً بوفد الحرية، مرحى مرحى بالنواب، وبالزعما وكل الشباب، وتحيا الكتلة الوطنية”، لكن مع تراجع الفرنسيين عن المعاهدة كتب “أنتو جماعة منظومين، ونحنا منكم ممنونين، أجيتوا حتى تساعدونا، لما تزيدوا البلة طين”، وتحت عنوان “كمل النقل بالزعرور”، سخر من البرلمان الصوري: “كمل النقل بالزعرور، فرحنا وصار عنا دستور، يوم صرنا وتصورنا، برنيطة ومرسي وبنجور”.
اجتماعياً، انتقد الأغواني غلاء الأسعار وجشع التجار “يا ناس مين متلي محتار، نص عقلي من البشر طار، كرمال الله تفهموني، الحق على مين دلوني، حتى أكتشف ها الأسرار، وشو سبب غلا الأسعار”، وتوقف عند غلاء المهور “اعمل معروف انتبه وشوف” و”دبرونا يا أهل الدين”، واستفاد في هذا السياق، كما يُشير بوبس من عدة مهن مارسها في حياته، منها عمله سائق شاحنة على خط “دمشق- بغداد”، وعمله موظفاً في دائرة المواصلات، ومن ثم افتتح استديو لتسجيل الأغاني، وكانت له حفلات في العراق ومصر، وفي دمشق كانت له فرقة موسيقية خاصة، كما شكّل لفترة وجيزة ثنائياً مع الفنان عبد الغني الشيخ.

Leave a Comment
آخر الأخبار