الحرية ـ سامر اللمع:
منذ وصوله إلى دمشق في 8 كانون أول ديسمبر 2024، أكد الرئيس أحمد الشرع أن أول خطوة في تصحيح الوضع الشاذ في سوريا ما بعد التحرير، هي توحيد كل المدن والمحافظات ضمن بوتقة الدولة السورية الموحدة والتعامل مع منطقة الجزيرة من منظور الدولة، بناؤها هو الأولوية، والمدخل لجعل سورية موحّدةً وقويةً ولكل مواطنيها.
عرقلة «قسد» وتطلعات اللامركزية مقابل إرادة التوحيد الحكومية
ومع سقوط النظام البائد، لم تتحرك «قسد» نحو التغيير التاريخي الحاصل في سوريا، بل إنها عملت على توسيع رقعة سيطرتها إلى مناطق في غرب الفرات، ورغم توقيع اتفاق 10 آذار/ مارس 2025، المتضمن إجراءات دمج المناطق التي تسيطر عليها «قسد» بمؤسسات الدولة السورية، بين الرئيس الشرع وقائد ما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، فإن الاتفاق لم يتم التقدم في تطبيقه وسط تأخير وعرقلة من قبل «قسد» التي كانت تسعى إلى نوع من اللامركزية وإبقاء مناطقها تحت سلطتها وحكمها، وشنت في سبيل ذلك حملات اعتقال كثيرة ضد كل المدنيين الذين كانوا يعلنون دعمهم للتغيير الحاصل في سوريا، وهو ما سبّب شرخاً في المناطق التي تسيطر عليها «قسد»، حتى إن كثيراً من «العشائر» فتحت أبواب التواصل مع الحكومة السورية وأعلنت عن استعدادها لأي عمل عسكري يهدف لاستعادة المدن التي تسيطر عليها «قسد» ودمجها مع الحكومة السورية.
ما حصل عليه الأكراد في اتفاق 10 آذار / مارس 2025، ولاحقاً باتفاق 18 كانون الثاني الجاري 2026، لم يكونوا ليحصلوا عليه في زمن أي حكم منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946.
مراسيم تضمن الحقوق وتلغي مبررات التقسيم
كما أن المرسوم الجمهوري الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، في 16 كانون الثاني الجاري، ضمن حقوق الأكراد وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون.
وقد أكد المرسوم الذي يحمل رقم (13) لعام 2026 أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.
وعلى الرغم من تلك الامتيازات الواسعة التي حصل عليها الأكراد في سوريا، إلا أن دعاة التقسيم من «قسد» لم يتقنوا قراءة الأوضاع داخل البلد، والتحولات على المستويين الاقليمي والدولي، وهُيئ لهم أنهم يمتلكون القوة التي بوسعها تغيير حال سورية، وتجزئتها إلى دويلاتٍ تلبّي أحلامهم وتناسب طموحاتهم، وهم بذلك يقفون في الضفة الأخرى من الشعب السوري، صاحب المصلحة في التحوّل الجديد الذي بدأ مع فجر الثامن من كانون الأول عام 2024.
هذا التوصيف هو حال مشروع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التي سيطرت على الجزيرة السورية منذ نحو عشرة أعوام في مرحلة حرجة تطلبت وجود قوات تعمل على الأرض مع قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» الذي سيطر على منطقة الجزيرة السورية في منتصف عام 2014، إلا أنه مع التبدلات الاقليمية والدولية، وفي لحظة إيمان وثقة بالإمكانات العسكرية والأمنية للدولة السورية، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على ضم سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لتصبح الدولة رقم 90 في هذا التحالف، حيث برهن الجيش السوري، في غير موقع ومناسبة، على قدرته وجدارته في العمل الأمني والاستخباري والميداني ضد «داعش»، ولتسقط بذلك أسباب «التفويض» الممنوح لـ«قسد»، لمحاربة هذا التنظيم الإرهابي.
أحلام انفصالية في السويداء والساحل تواجه إرادة الوحدة الوطنية
أحلام الانفصال تنسحب أيضاً على الشيخ حكمت الهجري في السويداء، الذي لجأ إلى ادعاء مظلومية سياسية ـ أمنية كي يعلن دولته المستقلّة عن سورية، وأنشأ في سبيل ذلك فصيلاً عسكرياً تحت مسمى «الحرس الوطني» والذي ما فتئ يتباهى بتلقي الدعم العسكري واللوجستي من «إسرائيل» ورئيس وزرائها المجرم بنيامين نتنياهو.
وفي ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه محافظة السويداء، أجرى القيادي في الأمن الداخلي بالمحافظة سليمان عبد الباقي، وهو ابن مدينة السويداء ومعارض لسياسة الهجري الانفصالية، زيارة إلى واشنطن الأسبوع الماضي لعرض الواقع الميداني ومناقشة مستقبل المنطقة ضمن الإطار السوري العام.
وركزت اللقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس على نقل صورة دقيقة للأوضاع، بعيداً عن التضخيم أو التبسيط، وسط تصاعد التوترات المحلية والمخاوف من محاولات تقسيمية أو انفصالية.
وأكد الوفد المشارك في الزيارة، وهم سياسيون من منظمات سورية أمريكية، أن المطلب الأساسي الذي تم طرحه هو موقف أمريكي واضح يرفض دعم أي مشروع يهدف إلى تقسيم سوريا أو إقامة كيانات منفصلة، مع التشديد على أن السياسة الأمريكية الرسمية تدعم وحدة دمشق واستقرارها.
في منطقة أخرى من سوريا، يراود أصحاب دعوات الانفصال في الساحل، أحلام عودة عصابة الأسد إلى الحكم، وبدلاً من أن يعتذر هؤلاء لملايين السوريين الذين قتل منهم النظام البائد قرابة المليون، وشرّد نحو عشرة ملايين، ودمّر نصف مدنهم، فإنهم يتآمرون على البلد ويعملون على إفشال التحوّل الجديد عبر تحشيد المظاهرات المناوئة للدولة وكذلك محاولات التأثير على الرأي العام الدولي لتأييد أحلامهم الفاشلة في الانفصال.
الإرادة الوطنية تقوض مشاريع التقسيم وتمهد لسوريا قوية موحدة
لقد أيقنت إدارة الرئيس الشرع أن دعوات الانفصال والفيدرالية في سورية مجرّد صراخ في واد سحيق سيتبدّد من تلقاء ذاته، ومهما ارتفعت وتيرتها لا تمتلك مقوّمات التحوّل إلى مشاريع قابلة للحياة، لأن المسألة ليست أمنياتٍ تتحقّق بمجرّد أن يحلم بها أصحابها، وعلى الرغم من محاولات الانفصاليين لتحقيق أحلامهم، تارةً عبر ادعاء مظلومية سياسية، وتارةً أخرى عبر إطلاق شعارات رنّانة في مظاهرات محدودة العدد يتم التلاعب بها على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من الاستقواء بالكيان الإسرائيلي لتنفيذ تلك الأحلام، إلا أن مساعي الانفصال المغلفة باللامركزية اصطدمت بوعي السوريين وإرادتهم لتقويض مشاريع التقسيم وتفتيت البلاد إلى كيانات مشرذمة تمهيداً لبناء دولتهم الحديثة القوية الموحدة لتتبوأ مكانتها المستحقة بين الدول.