الحرية- رشا عيسى:
لم تعد الحروب تُقاس بعدد الجبهات التي أُغلقت، بل بعدد الفرص التي فُتحت أو أُهدرت بعدها، ففي الدول الخارجة من نزاعات طويلة، لا يكون السؤال الأهم كيف انتهت الحرب، بل كيف سيُدار السلام، ومن يملك مفاتيح الاقتصاد الذي سيعيد تشكيل المجتمع والدولة معاً. في الحالة السورية، لا يمكن التعامل مع التعافي بوصفه عملية هندسية لإعادة بناء ما تهدّم فقط، بل باعتباره معركة سياسية– اقتصادية صامتة على هوية الدولة، وعدالة توزيع الموارد، وقدرة المؤسسات على استعادة الثقة، هنا يصبح الاقتصاد أكثر من أرقام ونسب نمو، ويصبح أداة للاستقرار أو وقوداً لجولة اضطراب جديدة، تبعاً لكيفية توظيفه ضمن رؤية وطنية شاملة تتجاوز الإسعاف المؤقت نحو إعادة تأسيس العقد الاجتماعي.
وأكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ(الحرية) أن تحديد المخارج الأقل ضرراً للاقتصادات الخارجة من النزاعات يتطلب تحليلاً عميقاً لأسباب الصراع وتشابك عوامله المحلية والإقليمية والدولية، ولاسيما في الحالة السورية، مشدداً على أن التعافي المستدام لا يمكن أن يقوم على حلول تقنية معزولة، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى ومتعددة المستويات.
وأشار كويفي إلى أن المسار الاقتصادي والسياسي مترابطان بعمق، حيث تحدد السياسة الإطار القانوني والمؤسسي للاقتصاد وتؤثر في توزيع الثروة، بينما يعتمد الاستقرار السياسي على الأداء الاقتصادي من حيث النمو وفرص العمل والعدالة الاجتماعية.
الأمن الإنساني وإعادة بناء الأساسيات
وبيّن كويفي أن الأولويات الفورية بعد الحرب تبدأ بتثبيت الأمن الإنساني عبر توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ومأوى، بالتوازي مع إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، من طرق ونقل وكهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات.
ولفت إلى أهمية دعم القطاعين الصحي والتعليمي لإعادة بناء رأس المال البشري، إضافة إلى إطلاق برامج تشغيل سريعة تعتمد على مشاريع كثيفة العمالة، ولاسيما في قطاعات البناء والمقاولات، بما يسهم في تنشيط الدخل واستعادة سبل العيش.
إعادة الإعمار التدريجي
وشدد الباحث كويفي على أن النهوض الاقتصادي يقتضي اعتماد إعادة إعمار تدريجية وسريعة، تبدأ بالمناطق الأقل تضرراً كنماذج نجاح يمكن تعميمها لاحقاً، مؤكداً أن إزالة الركام ومخلفات الدمار لا تحمل بعداً خدمياً فقط، بل تسهم في تخفيف الأثر النفسي للحرب على السكان.
وأشار إلى ضرورة إطلاق برنامج وطني متكامل لإعادة سكان المخيمات إلى بلداتهم الأصلية، يشمل بناء وحدات سكنية وإشراكهم في عملية إعادة الإعمار، وتأمين فرص عمل كريمة تعزز اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي.
محرك التعافي السريع
وأوضح كويفي أن تشجيع إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة القابلة للتنفيذ السريع يشكّل ركيزة أساسية في مرحلة التعافي، لاسيما مع مشاركة فاعلة من القطاع الخاص المحلي والدولي.
وأكد أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بإصلاحات مؤسسية جادة، تشمل إصلاح النظام المصرفي والمالي، ودمج البنوك العامة الصغيرة، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية لجذب الاستثمار، إلى جانب مكافحة الفساد وترسيخ الشفافية كمسارات لا رجعة عنها.
الزراعة والصناعة في صدارة الأولويات
وأشار الباحث إلى أن وجود رؤية واضحة وغير قابلة للتذبذب في تحديد أولويات القطاعات الإنتاجية يعد شرطاً أساسياً لتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، معتبراً أن الزراعة تمثل أولوية متقدمة من خلال إعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وتمويل المزارعين، وتأمين مستلزمات الإنتاج ودعم ما بعد الحصاد.
وبيّن أن القطاع الصناعي يحتاج إلى حوافز ضريبية ومالية وخدمية، إضافة إلى برامج خاصة لإعادة تشغيل المصانع والمنشآت المتضررة جزئياً أو المنهوبة خلال الحرب، مع توفير تسهيلات مصرفية وقروض ميسّرة تشمل أيضًا القطاعات العقارية والسياحية.
استثمار في المستقبل
ولفت كويفي إلى أهمية إدماج مشاريع الطاقة المتجددة في خطط التعافي، ولاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ذات الجدوى الاقتصادية العالية، إلى جانب مشاريع تدوير المخلفات وتحويلها إلى طاقة وأسمدة، بما يحقق فوائد اقتصادية وبيئية مستدامة.
شراكات انتقائية وتمويل متنوع
وأكد الباحث كويفي أن التعاون الإقليمي والدولي يمثل عنصراً محورياً في عملية التعافي، داعياً إلى شراكات انتقائية ومدروسة مع دول الجوار والعالم، ومشاركة فاعلة من الدول المانحة عبر آليات تمويل متنوعة تشمل المنح والقروض الميسّرة والاستثمارات.
وأشار إلى أهمية تفعيل دور المنظمات الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد والأمم المتحدة في برامج التنمية المستدامة.
خارطة طريق وثقة دولية
وشدد كويفي على أن تهيئة الظروف لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا تتطلب جهداً دبلوماسياً كبيراً مدعوماً بخارطة طريق واضحة وشفافة تحدد الأولويات وحجم التمويل المطلوب استنادًا إلى دراسات وإحصائيات واقعية تشمل مختلف المحافظات، بالتوازي مع تعزيز الاستقرار السياسي والأمني لبناء الثقة بالمستقبل.
سوريا نقطة توازن
وبيّن الباحث أن نجاح مسار التعافي سينعكس إقليميًا عبر تعزيز استقرار دول الجوار، والحد من موجات اللجوء وتدفق السلاح والمخدرات، وإعادة إحياء التكامل الاقتصادي ومشاريع الطاقة والنقل والترانزيت، مرجعاً من الموقع الجيوسياسي المحوري لسوريا.
وأضاف: إن ذلك يشكّل دولياً اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على إدارة مرحلة ما بعد النزاعات، وقد يجعل من التجربة السورية نموذجاً مرجعياً في مناطق أخرى.
فصل جديد في العلاقات مع أوروبا
وأشار كويفي إلى إعلان الاتحاد الأوروبي فتح فصل جديد في علاقاته مع سوريا، عقب زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى دمشق في 9 كانون الثاني 2026، حيث جرى بحث تجديد العلاقات الثنائية مع الرئيس أحمد الشرع.
وأوضح أن المباحثات ركزت على شراكة سياسية جديدة، وتعزيز التعاون التجاري والاقتصادي ضمن ميثاق البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب حزمة دعم مالي تُقدّر بنحو 620 مليون يورو لعامي 2026–2027 لدعم الإنعاش الاجتماعي والاقتصادي وإعادة الإعمار.
رأس المال البشري والمصالحة
ولفت الباحث إلى أن تشرذم السيطرة الجغرافية، والعوامل الأمنية والسياسية، ونزوح الكفاءات وخسارة رأس المال البشري، تمثل تحديات رئيسية أمام النهوض، مؤكداً أن تجاوزها يتطلب برامج مصالحة مجتمعية حقيقية تفضي إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.