الحرية – متابعة:
أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، التزام سوريا باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مشدداً على أن هذا الالتزام ليس مجرد التزام قانوني، بل يتجذر بحكم التجربة السورية في وفاء عميق للألم الذي ذاقه الشعب السوري الذي كان ضحية للأسلحة الكيميائية.
وقال علبي خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي: إنه عندما أصبحت نصوص هذه الاتفاقية في عهدة الضحايا أنفسهم، غدا هذا الالتزام عهداً مقدساً وواجباً أخلاقياً لا يتزعزع، مشيراً إلى أن سوريا انطلاقاً من هذا الإيمان بالعدالة ومنع التكرار، ترجمت التزامها بالاتفاقية بشكل عملي، وتعتبر أن التخلص النهائي منها مسؤولية وطنية لصون الأمن وسلامة السوريين وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
تحديات ما بعد النظام البائد
وأوضح علبي أن سوريا تتحمل هذه المسؤولية وسط تحديات كبيرة ومعقدة، تشمل الجوانب الأمنية والعملياتية والصعوبات الناجمة عن الطبيعة السرية لبرنامج نظام الأسد البائد، فضلاً عن إرث 14 عاماً من الحرب وما سببته من إنهاك اقتصادي وضعف مؤسسي انعكس على الإمكانيات الفنية والكوادر البشرية.
تعاون مثمر مع منظمة الحظر
وأشار علبي إلى أن سوريا تواصل تعاونها مع الأمانة الفنية للمنظمة، واتخذت إجراءات لتعزيز هذا التعاون، بما فيها إنشاء مجموعة عمل وطنية واظبت على تقديم تقارير شهرية تعكس الشفافية وانتظام التواصل المؤسسي والتقني مع المنظمة.
وفي سياق التعاون، لفت إلى أن سوريا يسرت زيارة أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً، تم خلالها جمع عينات بيئية ومراجعة عدد من الوثائق، ووفرت التسهيلات اللازمة، كما أتاحت الوصول إلى أكثر من 10 آلاف وثيقة أصلية وسجل رسمي، وأجرت الأمانة الفنية مقابلات مع 19 شاهداً بينهم أشخاص كانوا على صلة بالبرنامج الكيميائي خلال حقبة النظام السابق.
خطط مستقبلية للتدمير
وأكد أن الحكومة السورية تواصل تعاونها مع فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في سياق التخطيط لزيارات إضافية خلال الفترة المقبلة، بما يشمل زيارة مواقع والتحضير لأنشطة التدمير في الموقع حيثما تقتضي الظروف.
تفاصيل العثور على الأسطوانات المهجورة
وفي إطار الشفافية والانفتاح، أوضح علبي أن اللجنة الوطنية السورية بادرت فور عثور وحدات من وزارة الدفاع على 75 أسطوانة قديمة وفارغة يشتبه أنها كانت تحوي مواد كيميائية سامة في موقع عسكري مهجور، إلى إبلاغ الأمانة الفنية للمنظمة، وأعربت عن استعدادها لتقديم التسهيلات اللازمة للتعامل مع الأسطوانات.
وأشار علبي إلى أن التأخير الذي حصل أدى – بسبب خلل في التنسيق – إلى نقل هذه الأسطوانات الفارغة والمهجورة من قبل القائمين على تنظيف الموقع إلى محل حدادة، حيث تم العثور عليها فيه لاحقاً، بعد أن تم تفكيكها وتدميرها كخردة معدنية، مما عرض من قاموا بهذا العمل لأخطار صحية كبيرة.
وأضاف إن السلطات الوطنية فور علمها بذلك، سارعت للتواصل مع الأمانة الفنية والتحرك إلى مكان وجود الأسطوانات برفقة فريق من الأمانة، حيث تم التأكد من وجودها كاملة ومدمرة، مع اتخاذ تدابير السلامة اللازمة.
وأكد علبي أن سوريا تتعامل مع هذه المسألة بأقصى درجات الحرص، وقامت بتزويد الأمانة الفنية بمعلومات جوهرية شملت مقابلة الأشخاص الذين فككوا الأسطوانات وقيادة الموقع العسكري ذي الصلة، ورفعت عينات من الموقع الذي نقلت إليه الأسطوانات الفارغة والمدمرة.
المساءلة والدعم الدولي
وفيما يتعلق بجهود المساءلة، أشار علبي إلى أن منظمة الحظر أصدرت تقريرها الخامس الذي خلص إلى أن قوات نظام الأسد الجوية مسؤولة عن هجوم بغاز الكلور في كفر زيتا بريف حماة، ورحبت المنظمة بتعاون سوريا معها، ووصفته بأنه أول تعاون من نوعه بعد سقوط النظام، ويمثل محطة مفصلية في مسار المساءلة الدولية.
وشدد على أن سوريا تواصل التعاون مع فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة للوصول إلى مساءلة جميع المتورطين في الهجمات الكيميائية ضد الشعب السوري.
وأكد علبي أن ما حدث بخصوص الأسطوانات يبرز الحاجة للدعم الدولي وبناء القدرات والعمل بشكل سريع، مما يتيح التعاون الفعال مع أي معلومة أو مواد يتم الكشف عنها.
واوضح المندوب السوري إن التعامل الفعال مع التحديات القائمة يبقى قاصراً دون دعم الدول الأطراف في المنظمة والشركاء الدوليين لسوريا، متوجهاً بالشكر والتقدير للدول الصديقة التي بادرت منذ اللحظات الأولى للتحرير لمد يد العون للتخلص من تركة النظام من الأسلحة الكيميائية.
تحول جذري في الملفين الكيميائي والكبتاغون
وأكد علبي أن الملف الكيميائي الذي شغل العالم طويلاً وأثار موجات واسعة من الإدانة لما ارتكب بحق الشعب السوري، والذي شكّل فيما مضى رمزاً لصدمة عالمية، لم يعد اليوم عنواناً للمأساة بل تحول إلى مساحة من التعاون والشراكة لمعالجة التحديات وضمان أمن سوريا والمنطقة.
وبيّن علبي أن هذا التحول يجسد روح سوريا الجديدة، وفي سياق هذه الروح، وحول إرث آخر ورثناه من حقبة الأسد، تنظم سوريا حالياً حدثاً جانبياً في فيينا يسلط الضوء على التحول الجذري في ملف الكبتاغون الذي أرق المنطقة والعالم، في رسالة للعالم أن هذه الملفات تشهد طياً لصفحتها مرة واحدة إلى الأبد.