تحول رقمي تحت المجهر.. سوريا تختبر طريق الذكاء الاصطناعي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

متابعة ـ يسرى المصري:
بينما تخيم مخاوف “فقاعة الذكاء الاصطناعي” المحتملة على الأسواق المالية الآسيوية في مستهل العام 2026، تسير سوريا في رحلة تحول رقمي خاصة بها، تحاول فيها توظيف هذه التكنولوجيا كأداة حيوية لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. هذا المشهد يطرح سؤالاً محورياً: هل ستمكن التخطيطات الطموحة سوريا من جني ثمار التحول الرقمي في مواجهة تحديات بنيوية هائلة، وسط تحذيرات عالمية من مخاطر التوسع المفرط؟

إعادة الالتحاق بالركب العالمي

في أيار 2025، أعلنت دمشق بوضوح عن طموحاتها الرقمية بانطلاق مؤتمر الذكاء الاصطناعي الأول من نوعه (AI-SYRIA 2025) ، والذي ضم أكثر من 2000 مشارك وممثلين عن شركات عالمية وعربية. لم يكن المؤتمر مجرد فعالية شكلية، بل كان جزءاً من رؤية تهدف إلى جعل سوريا مركزاً إقليمياً في الذكاء الاصطناعي كما صرح وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل.

خرج المؤتمر بتوصيات عملية شملت إنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي، وإطلاق برامج تدريب للشباب، وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات تقنية عالمية. تأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي تتسابق فيه الدول العربية، خاصة الخليجية، على ريادة هذا المجال، حيث تجاوزت معدلات تبني الذكاء الاصطناعي في بعض أماكن العمل بالشرق الأوسط المعدلات العالمية، وتم استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية الرقمية.

أولوية سورية واضحة

يبدو التركيز السوري منصباً على تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي التي تلامس احتياجات البلاد الملحة في عدة أوجه أبرزها مواجهة تركة الحرب ومن أبرز التطبيقات المقترحة هو توظيف تكنولوجيا الروبوتات الأرضية والذكاء الاصطناعي للحد من مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، التي تهدد حياة الملايين وتعوق عودة النازحين وإعادة الإعمار. وقد وثقت أكثر من 900 ضحية بين كانون الأول 2024 وآذار 2025، معظمهم من الأطفال.
وفي مجال إعادة الإعمار والخدمات : تعددت جلسات المؤتمر التي ناقشت استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، والرعاية الصحية، والبيئة، والزراعة، ما يعكس رغبة في تعزيز كفاءة القطاعات الحيوية و تحسين استخدام الموارد لمستقبل مستدام .

توظيف تكنولوجيا الروبوتات الأرضية والذكاء الاصطناعي للحد من مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة

تحديات جسيمة

وما بين انقطاع الكهرباء والعزلة التقنية ورغم الخطاب الطموح، تواجه سوريا تحديات هيكلية قد تجعل من التحول الرقمي هدفاً بعيد المنال في المدى القصير، لا سيما إذا ما قورنت بتجارب الدول المجاورة. يمكن تلخيص أبرز هذه التحديات بالبنية التحتية المادية حيث تعاني شبكات الكهرباء من أزمة عميقة. فقد أفادت بيانات سابقة أن الإنتاج الحالي يغطي 20% فقط من الاحتياجات ، وتقدر تكلفة إعادة تأهيل القطاع بنحو 40 مليار دولار . الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تحتاج طاقة مستدامة ووفرة، وهو ما لا يتوفر حالياً.
ويشير خبراء البيئة التشريعية والتمويلية إلى محدودية التمويل والتشريعات المحدثة كعقبة رئيسية. كما إن البلاد لا تزال تتعافى من عزلتها المالية الدولية، ما يعقد جذب الاستثمارات التقنية الكبرى الضرورية لهذا القطاع.
وفيما يتعلق برأس المال البشري يُعتبر نقص الكوادر المؤهلة في مجال الذكاء الاصطناعي تحدياً كبيراً. رغم وجود شباب موهوب، إلا أن سنوات الحرب والعزلة أدت إلى فجوة معرفية وتقنية تحتاج إلى برامج تدريبية ضخمة ومكثفة لردمها.

سوريا في مواجهة العاصفة المالية العالمية

يأتي المسعى السوري في وقت تتنبه فيه الأسواق المالية العالمية، خاصة في آسيا، لمخاطر الإفراط في المضاربة على قطاع الذكاء الاصطناعي. تقارير بلومبيرغ تشير إلى أن ارتباط آسيا الوثيق بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي يجعلها عرضة لأي تراجع حاد في وول ستريت.

هذا الوضع يضع سوريا أمام مشهد معقد فمن ناحية، تسعى لبناء قاعدة لهذه التكنولوجيا من الصفر تقريباً في وقت قد يشهد تقلبات كبيرة في أسواقها العالمية. ومن ناحية أخرى، فإن السوق المحلي الناشئ والمحتاج لحلول ذكية في كل القطاعات قد يشكل “فرصة” جاذبة، لكن شريطة أن تكون القفزة التقنية محسوبة وتدريجية، ومرتبطة بحل مشكلات أساسية أولاً كالطاقة.
بين الطموح والواقع

يبدو أن مسار التحول الرقمي في سوريا سيكون اختباراً حقيقياً للقدرة على التوفيق بين الطموح الاستراتيجي والواقع العملي. بينما ينتقل العالم العربي نحو مرحلة الحوكمة وجني العوائد في مجال الذكاء الاصطناعي عام 2026، تبدأ سوريا شق طريقها سوريا في مرحلة البناء والتأسيس.

قد يكون مفتاح النجاح هو تبني **نهج واقعي يركز على التطبيقات ذات الأولوية القصوى**، مثل تطهير الأراضي من الألغام باستخدام الروبوتات الذكية، وتحسين الخدمات الأساسية، بدلاً من السعي لمواكبة أحدث صيحات التكنولوجيا دون قاعدة متينة. وفي النهاية، فإن قدرة سوريا على توفير الكهرباء والاستقرار وبناء الكوادر، ستحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون محركاً للتنمية أم سيبقى حلماً رقمياً معلقاً.

Leave a Comment
آخر الأخبار