الحرية – نهلة أبوتك:
في موقع جغرافي استثنائي يتوسط طرق التجارة العالمية، نجحت سوريا خلال السنوات الماضية في الحفاظ على دورها كممر حيوي للحركة البرية والبحرية، مستفيدة من شبكة معابرها البرية وموانئها المطلة على البحر المتوسط، لتبقى نقطة وصل بين الشرق والغرب . غير أن هذا الحضور لم يكتمل في المجال الجوي، حيث تأثرت حركة الطيران بالأحداث الراهنة والحرب الدائرة، ما انعكس بشكل مباشر على عمل مطار دمشق الدولي.
رئيس المنظمة الدولية لخدمات الطيران الدكتور منير خليفة يؤكد في حديثه لـ”الحرية”، أن توقف تشغيل مطار دمشق الدولي خلال هذه المرحلة لا يرتبط بضعف الجاهزية أو خلل تقني، بل هو إجراء احترازي مؤقت تفرضه ظروف الحرب، ويهدف بالدرجة الأولى إلى حماية سلامة المسافرين وضمان أعلى معايير السلامة الجوية.
ويوضح خليفة أن تشغيل أي مطار لا يعتمد فقط على جاهزية المدارج أو الصالات، بل يرتبط بشكل مباشر بسلامة المسارات الجوية المؤدية إليه، والتي تُعد العامل الحاسم في اتخاذ قرار التشغيل. ويشير إلى أن المسارات الجوية الجنوبية، التي تُعد المدخل الرئيسي للرحلات القادمة من الأردن ودول الخليج، تمر حالياً في مناطق تشهد نشاطاً عسكرياً متغيراً، وتتقاطع مع مسارات صواريخ وطائرات مسيّرة، ما يجعل بيئة الطيران غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ.
ويشدد على أن الطيران المدني لا يعمل بمنطق “التجربة”، إذ تلتزم الطائرات بمسارات وارتفاعات محددة مسبقاً، ولا تمتلك القدرة على المناورة لتفادي الأخطار المفاجئة، ما يجعل أي تهديد طارئ خطراً حقيقياً قد يؤدي إلى نتائج كارثية خلال لحظات.
ويضيف أن المعايير الدولية لسلامة الطيران تفرض تقييماً مستمراً للمخاطر، واتخاذ قرارات فورية بتقييد أو إيقاف التشغيل عند الضرورة، وهو ما يفسر القيود الحالية، ويجعل توقف المطار قراراً مهنياً مسؤولاً ينسجم مع قواعد السلامة.
وفي توضيح تقني، يلفت خليفة إلى أن الرادارات المدنية تقتصر مهمتها على تنظيم حركة الطائرات، ولا يمكنها كشف التهديدات العسكرية، في حين تتولى الرادارات العسكرية هذه المهمة، ما يجعل توفر منظومة متكاملة من المراقبة شرطاً أساسياً لضمان بيئة طيران آمنة.
وعند النظر إلى تجارب دول مجاورة، يتبين أن اختلاف الظروف الأمنية يلعب دوراً حاسماً، إذ تعتمد بعض الدول على منظومات مراقبة متكاملة وتنسيق مباشر بين الجهات المدنية والعسكرية، ما يمنحها قدرة أعلى على إدارة المجال الجوي بمرونة والاستمرار في التشغيل، إضافة إلى اعتمادها على مسارات أكثر استقراراً، خاصة فوق البحر.
في المقابل، تتعامل سوريا مع هذا الواقع عبر إدارة مرنة للمجال الجوي، من خلال تقييد المسارات غير الآمنة وفتح ممرات بديلة، لا سيما باتجاه الشمال، إضافة إلى تشغيل بعض المطارات ضمن هذه الممرات، بما يضمن استمرارية جزئية لحركة الطيران دون الإخلال بمعايير السلامة.
ورغم أن الحرب فرضت واقعاً معقداً على حركة الطيران، إلا أن موقع سوريا الجيوسياسي يبقى أحد أهم عناصر قوتها، إذ تشكل بوابة طبيعية تربط الخليج بأوروبا، ونقطة عبور بين آسيا والبحر المتوسط.
ومع أي تحسن في الظروف الأمنية مستقبلاً، تبدو الفرصة مهيأة أمام سوريا لتحقيق قفزة نوعية في قطاع الطيران، واستثمار مجالها الجوي كممر استراتيجي يربط القارات، تماماً كما نجحت في الحفاظ على دورها في النقل البري والبحري.
في المحصلة، لا يعكس توقف مطار دمشق الدولي واقعاً دائماً، بل هو قرار مرحلي تفرضه معادلة السلامة في ظل الحرب، فيما تبقى الإمكانات الجغرافية والاقتصادية جاهزة لاستعادة الدور الكامل عند توفر بيئة آمنة.
وفي عالم الطيران، تبقى القاعدة الأهم السلامة أولاً… لأنها لا تحتمل أي هامش للمخاطرة.