سوريا على بوابة المتوسط… هل يتحول الساحل إلى محرك للاقتصاد البحري؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

ليست كل الدول التي تطل على البحر تملك اقتصاداً بحرياً… لكن الدول التي نجحت اقتصادياً هي تلك التي عرفت كيف تحوّل جغرافيتها إلى مورد سيادي.
وفي سوريا، حيث يمتد الساحل بطول 183 كيلومتراً على البحر الأبيض المتوسط، لا تكمن المشكلة في الموقع، بل في كيفية إدخاله ضمن معادلة اقتصادية منتجة.
في عالم تُقاس فيه القوة الاقتصادية بالقدرة على إدارة سلاسل التوريد والتحكم بالممرات التجارية، يقع الساحل السوري ضمن نطاق واحد من أكثر المسارات البحرية حساسية، بالقرب من خطوط عبور استراتيجية تربط الشرق بالغرب، مروراً بممرات حيوية مثل قناة السويس. ومع ذلك، لا تزال مساهمة هذا الموقع في الاقتصاد الوطني دون مستوى الإمكانات المتاحة.

من هنا، يضع الخبير في الشؤون البحرية، الدكتور سلمان صبيحة، إطاراً واقعياً للتعامل مع هذه الفرصة، مؤكداً أن الموقع البحري لسوريا يمثل نقطة قوة استراتيجية، لكن تحويله إلى مورد اقتصادي فعلي يتطلب بناء منظومة متكاملة من الخدمات البحرية واللوجستية، وليس الاعتماد على الجغرافيا بحد ذاتها.

ويضيف: صبيحة أن أي اقتصاد بحري فاعل يقوم على استثمار الخدمات المرتبطة بالنقل البحري، مثل تزويد السفن، والصيانة، والتموين، إلى جانب توفير بيئة استثمارية قادرة على جذب الشركات العاملة في هذا القطاع.

اقتصاد البحر… حيث تُصنع القيمة

القيمة الاقتصادية في الموانئ الحديثة لا تُقاس بعدد السفن، بل بحجم العائد الناتج عن الخدمات المقدمة. فالدول التي نجحت في هذا المجال لم تعتمد على موقعها فقط، بل على قدرتها في بناء منظومة خدمات متكاملة حوله.
هذا النموذج، الذي اعتمدته مراكز عالمية مثل سنغافورة ودبي، يقوم على: تزويد السفن بالوقود وأعمال الصيانة والإصلاح وخدمات التموين والإمداد
وهي أنشطة لا تولّد إيرادات مباشرة فحسب، بل تحفّز قطاعات إنتاجية وخدمية مرتبطة بها.

الترانزيت… فرصة جيوسياسية

إلى جانب الخدمات البحرية، تمتلك سوريا موقعاً يؤهلها للعب دور ممر بري–بحري يربط بين الخليج العربي وأوروبا، ما يمنحها إمكانية تقليص زمن وتكلفة نقل البضائع.
غير أن تفعيل هذا الدور يتطلب: بنية نقل متطورة تربط الموانئ بالعمق الداخلي إجراءات جمركية مرنة وسريعة
اتفاقيات اقتصادية إقليمية فعالة
وهي عناصر أساسية لتحويل الميزة الجغرافية إلى دور اقتصادي فعلي.

اليد العاملة البحرية… ثروة غير مستثمرة

إلى جانب الموقع، تمتلك سوريا رصيداً مهماً من الكوادر البحرية. فآلاف البحارة السوريين يعملون في الأساطيل التجارية حول العالم، ما يعكس خبرة مهنية متراكمة يمكن أن تتحول إلى ركيزة أساسية في تطوير هذا القطاع.

وفي هذا السياق، يشير الدكتور صبيحة إلى أن الاستثمار في العنصر البشري يشكل جزءاً أساسياً من تطوير الاقتصاد البحري، إذ يمكن للكوادر السورية أن تلعب دوراً محورياً في تشغيل هذا القطاع وتعزيز قدرته التنافسية.
ولا يقتصر هذا المورد على البحارة، بل يشمل سلسلة واسعة من المهن المرتبطة بالنقل البحري، من الصيانة والخدمات الفنية، إلى اللوجستيات والتشغيل، ما يفتح المجال أمام استيعاب شريحة واسعة من القوى العاملة.

من الإمكان إلى التنفيذ

المعادلة في الحالة السورية واضحة الموقع موجود، والفرص قائمة، والكوادر متوفرة… لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه العناصر إلى مشروع اقتصادي متكامل.
ففي عالم تتحول فيه الممرات البحرية إلى أدوات نفوذ اقتصادي، لا يكفي أن تكون سوريا على خريطة العبور، بل يجب أن تكون جزءاً فاعلاً من منظومة الإنتاج المرتبطة بها.
وبينما تستمر حركة التجارة في البحر الأبيض المتوسط دون توقف، يبقى السؤال هل يتحول الساحل السوري إلى محرك اقتصادي حقيقي… أم تبقى الفرصة مؤجلة؟

Leave a Comment
آخر الأخبار