الحرية – نهلة أبو تك :
في مسارات إعادة الإعمار، لا تُقاس التحولات الكبرى فقط بما يُبنى على الأرض، بل بما يُعاد تأسيسه في البنية غير المرئية للدولة، في سوريا اليوم، ومع إعادة التفكير في شكل الاقتصاد والخدمات، يبرز مشروع Distributed Antenna Systems (DAS) كأحد المؤشرات التقنية التي قد تحمل أبعادًا تتجاوز تحسين جودة الاتصال، لتلامس مسار التحول نحو دولة رقمية أكثر تكاملاً.
ضمن هذا الإطار، أطلقت وزارة الاتصالات والتقانة طلب معلومات (RFI) لإنشاء بنية DAS تستهدف تغطية المرافق الحيوية، ورغم الطابع التقني الظاهر للمشروع، إلا أن دلالاته تتصل بسؤال أعمق كيف يمكن أن تُبنى البنية الرقمية للدولة السورية في مرحلتها المقبلة؟
في الإجابة عن هذا السؤال، يوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي ومستشار الحكومات الذكية، وأمين عام الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي – فرع سوريا، الدكتور محمد عمار بلول، أن بناء البنية الرقمية لا يبدأ من التطبيقات أو الخدمات، بل من تأسيس شبكة اتصالات متقدمة تُشكل العمود الفقري لكل المنظومات الرقمية لاحقاً، وتحدد كفاءة عمل الدولة في بيئة رقمية متكاملة.
وبحسب هذا الطرح، فإن مشروع DAS لا يمكن النظر إليه كمجرد تحسين تقني، بل كخطوة تأسيسية ضمن مسار أوسع لإعادة بناء البنية الرقمية للدولة، فالنظام يعتمد على توزيع شبكة من الهوائيات الصغيرة داخل الأبنية والمرافق العامة، ترتبط بمنظومة مركزية موحدة، ما يسمح بتوفير تغطية مستقرة لمختلف مشغلي الاتصالات ضمن بنية مشتركة، ويحدّ في الوقت نفسه من ازدواجية الشبكات وتكاليفها.
ويرى بلول أن هذا النوع من المشاريع يؤسس فعليًا لطبقة رقمية سيادية، تُبنى عليها مختلف الخدمات الحكومية والاقتصادية في المراحل اللاحقة، مشيراً إلى أن أهمية هذه البنية تكمن في كونها قاعدة تشغيل، وليست مجرد وسيلة اتصال.
ويبرز أحد أهم التحولات المرتبطة بهذا النموذج في تبني مفهوم “البنية التحتية المشتركة أو ما يُعرف بـ Neutral Host، وهو ما يغيّر طبيعة المنافسة في قطاع الاتصالات، فبدلاً من التنافس على بناء شبكات متوازية، يصبح التركيز على جودة الخدمات المقدمة فوق بنية موحدة. وفي هذا السياق، يوضح بلول أن التحول الحقيقي يتمثل في الانتقال من الاستثمار في البنية التحتية بحد ذاتها، إلى الاستثمار في الخدمات الرقمية والتطبيقات التي تقوم عليها.
هذا التوجه، وفقًا للخبير، لا يخفف التكاليف التشغيلية فحسب، بل يتيح توجيه الموارد نحو الابتكار، ما يعزز من دور قطاع الاتصالات كمحرك للنمو الاقتصادي، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي.
وفي سياق متصل، يربط بلول بين هذا النوع من المشاريع وبين بناء الحكومة الذكية، موضحاً أن نجاح الخدمات الرقمية الحكومية يرتبط بشكل مباشر بجودة الشبكات التي تحملها، ما يجعل الاستثمار في بنية الاتصالات خطوة أساسية لأي تحول حكومي فعّال.
ضمن هذا الفهم، تتحول المرافق العامة من مستشفيات وجامعات ومؤسسات حكومية إلى نقاط متصلة ضمن شبكة وطنية موحدة، حيث تصبح الخدمات الرقمية، مثل الهوية الإلكترونية والدفع الرقمي، مرتبطة بقدرة هذه البنية على العمل بكفاءة واستجابة عالية.
أما في إطار إعادة الإعمار، فيشير بلول إلى أن الفرصة المتاحة أمام سوريا لا تقتصر على إعادة بناء ما تضرر، بل تمتد إلى إمكانية تبني نماذج حديثة منذ البداية، موضحاً أن المرحلة الحالية تتيح تجاوز الكثير من المراحل التقليدية، والانتقال مباشرة إلى بنية رقمية أكثر تطوراً، إذا ما تم الاستثمار فيها بشكل صحيح.
هذا الطرح يعكس إمكانية تحقيق قفزة نوعية في مسار التحول الرقمي، واختصار الزمن اللازم لبناء منظومة اقتصادية رقمية قادرة على التفاعل مع المتغيرات العالمية.
اقتصادياً، يلفت بلول إلى أن نموذج DAS يفتح المجال أمام أنماط استثمار جديدة، حيث تتحول البنية التحتية من عبء تشغيلي إلى أصل قادر على توليد الإيرادات، من خلال تشغيل الشبكات ومشاركتها بين عدة أطراف، ما يعزز من جاذبية السوق أمام الشركات التقنية ويشجع على بناء شراكات جديدة.
وفي جانب آخر، يركز الخبير على البعد المرتبط بالسيادة الرقمية، معتبراً أن امتلاك بنية تحتية رقمية متطورة يمنح الدول قدرة أكبر على إدارة بياناتها، ويعزز من مستويات الأمان السيبراني، خاصة في القطاعات الحساسة، في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد قائم على البيانات.
ولا تتوقف أهمية هذه البنية عند حدود الاتصالات، بل تمتد وفقاً لبلول لتشكل قاعدة داعمة لتطبيقات متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الطرفية، ما يتيح تطوير خدمات مستقبلية تعتمد على المعالجة الفورية للبيانات، ويعزز من كفاءة الأداء في مختلف القطاعات.
في المحصلة يظهر مشروع DAS كأحد المشاريع التي قد لا تحظى بزخم إعلامي كبير، لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بشكل الدولة في المرحلة المقبلة. فإعادة الإعمار لم تعد تقتصر على إعادة بناء البنية المادية، بل باتت ترتبط بإعادة تأسيس البنية الرقمية التي ستقوم عليها مختلف الخدمات.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لم يعد خياراً تقنياً فقط، بل مساراً استراتيجياً يعكس اتجاه الدولة نحو بناء نموذج حديث قائم على الكفاءة والمرونة… حيث تبدأ ملامح السيادة، هذه المرة، من جودة الشبكة.