بين تحديات البنية التحتية وطموح الشباب.. هل تصبح سوريا مركزاً إقليمياً للاقتصاد الرقمي؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – منال الشرع:
تشهد سوريا في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالاقتصاد الرقمي، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، بما في ذلك الأزمات الاقتصادية والسياسية والبنية التحتية المتضررة،ومع تزايد استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، بدأت تظهر فرص جديدة لتحقيق النمو الاقتصادي من خلال التحول الرقمي.
الخبير المالي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز أكد في تصريح لـ”الحرية” أنه لا يمكن إنكار أنّ البنية التحتية في سوريا تعاني من نقص كبير فالعديد من المناطق لا تزال تعاني من انقطاع التيار الكهربائي وضعف خدمات الإنترنت، تعرقل الاستثمارات في القطاع التكنولوجي. ولكن على الرغم من هذه التحديات، بدأت تظهر مبادرات محلية تسعى لتعزيز الاقتصاد الرقمي.
مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض الشركات الناشئة بالظهور في مجالات مثل التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والتكنولوجيا الزراعية. هذه الشركات تمثل بداية لمرحلة جديدة في الاقتصاد السوري، حيث يمكن أن تساهم في خلق فرص عمل جديدة وجذب الاستثمارات.


كما يبين قزاز أن الشباب السوريين هم المحرك الرئيسي لهذا التحول، فقد أظهرت دراسات أنّ نسبة كبيرة من الشباب يمتلكون مهارات تكنولوجية، ما يسهل عليهم الانخراط في مجالات جديدة مثل البرمجة والتصميم وتطوير التطبيقات، وهذه المهارات يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تحقيق التنمية الاقتصادية.
ويلفت قزاز إلى أنه لتحقيق نجاح ملموس في الاقتصاد الرقمي، يجب على الحكومة والمؤسسات التعليمية التركيز على تطوير مهارات الشباب، ودعم برامج التدريب المهني والتعليم التكنولوجي التي يمكن أن تساعد في تجهيز الجيل القادم لمواجهة تحديات السوق.
وبين قزاز أنه إذا ما تمّ تجاوز العقبات الحالية، يمكن أن تصبح سوريا مركزاً إقليمياً للاقتصاد الرقمي، عن طريق الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية، وتقديم الدعم للشركات الناشئة، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص الذي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق تحول اقتصادي ملموس
ويشير قزاز إلى أن تقديرات منظمات العمل ترسم صورة مقلقة، فنحو 80% من العاملين في قطاع البناء السوري يفتقرون إلى أي تدريب رسمي معتمد، ويزداد الأمر تعقيدًا حين نعلم أن نسبة الإلمام باستخدام البرمجيات الهندسية الأساسية مثل AutoCAD أو BIM تقل عن 10% بين الفنيين الشباب، ويؤكد قزاز أن هذا يعني أن عملية الإعمار، كما تُدار اليوم، تقوم على أكتاف متعبة، لكنها عارية من أدوات المستقبل.
في خضم هذا الفراغ، تظهر فكرة “القوة العاملة المزدوجة الكفاءة”، والتي يرى قزاز أنها ليست ترفًا تنمويًا، بل ضرورة وجودية، فإعادة الإعمار الحديث يتطلب عاملاً يستطيع تثبيت الحديد، لكنه يعرف أيضاً كيف يقرأ مخططاً رقمياً؛ عاملاً يستطيع رفع الجدران، لكنه يدرك كيف يراقب سلامتها عبر مستشعر أو طائرة مسيرة.
ويشير قزاز إلى أن دمج المعرفة الرقمية في منظومات التدريب المهني ليس مطلبًا تكنولوجياً فحسب، بل هو تحول في فلسفة التنمية، فالاقتصاد ما بعد الحرب لا يُبنى من العائدات فقط، بل من الكفاءات، مؤكداً أن كل عامل مدرب على أدوات الذكاء الاصطناعي في تقدير الكميات أو الجدولة الزمنية هو عنصر إنتاج إضافي، وكل فني يفهم مبادئ الأتمتة يصبح ضمانة ضد الهدر والفساد.
ويرى قزاز أنه لا يمكن النظر إلى إدخال مفاهيم مثل “الروبوتيك في البناء” أو “الطباعة ثلاثية الأبعاد” بوصفها رفاهية رقمية بل هي استراتيجية للحاق بالعصر دون انتظار اكتمال التعافي المادي، منوهاً بأن القفز المعرفي أسرع وأقل كلفة من إعادة بناء مصانع مهدمة أو استيراد خبرات أجنبية باهظة الثمن.
وفي الختام، أكد قزاز أنه على الرغم من الظروف الصعبة، يظلّ الاقتصاد الرقمي في سوريا يحمل إمكانيات واعدة؛ من خلال تعزيز التعاون والتخطيط الاستراتيجي، يمكن أن يشهد هذا القطاع نمواً كبيراً، ما يسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى الحياة للمواطنين.

Leave a Comment
آخر الأخبار