سوريا وألمانيا… صفحة اقتصادية جديدة  وشراكة تعود بالنفع على الطرفين

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – باديه الونوس:

مجددا ، عاد الحديث بقوة عن مستقبل العلاقات السورية–الأوروبية، وعن إمكانية فتح صفحة اقتصادية جديدة بعد سنوات من الانقطاع، وفي قلب هذا النقاش تبرز ألمانيا، الدولة التي استقبلت أكبر عدد من السوريين خلال موجة اللجوء، والتي تحولت اليوم إلى مساحة حيوية لإعادة التفكير في شكل التعاون الممكن بين البلدين.
عن أهمية العلاقات الاقتصادية بين سوريا وألمانيا وانعكاسات ذلك في عودة المغتربين للمشاركة في إعادة بناء سوريا الجديدة، يؤكد الباحث الاقتصادي والمصرفي الخبير د إبراهيم نافع قوشجي بحديثه ل”الحرية” أن الهجرة التي بدأت كاستجابة إنسانية، باتت اليوم تحمل ملامح فرصة اقتصادية يمكن البناء عليها إذا توفرت الإرادة والرؤية.
وفق رؤية الباحث الاقتصادي قوشجي أن ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، تواجه تحديًا ديموغرافيًا غير مسبوق، من شيخوخة في السكان ونقص العمالة وهذا يشكل ضغطاً  على قطاعات حيوية تحتاج إلى طاقات شابة ومهارات متنوعة.
ويبين أنه هنا يتجلى الدور المتنامي للجالية السورية التي تجاوز عددها 800 ألف شخص، معظمهم في سن العمل، وكثير منهم اندمج في سوق العمل الألماني أو أسس مشاريع صغيرة ومتوسطة أصبحت جزءًا من النسيج الاقتصادي المحلي.

عنصر اقتصادي مؤثر

وأوضح أن هذا الوجود السوري لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل تحول إلى عنصر اقتصادي مؤثر، فالسوريون الذين يعملون في المصانع الألمانية، وشركات التكنولوجيا، وقطاع الرعاية الصحية، اكتسبوا خبرات عملية لا تُقدّر بثمن،خبرات في الجودة، والإدارة، والأتمتة، والمعايير البيئية، وهي عناصر تفتقر إليها الكثير من الصناعات السورية التي تحتاج إلى تحديث شامل.
ومع تراكم هذه الخبرات، بات السوريون في ألمانيا قادرين على لعب دور الوسيط بين السوقين، مستفيدين من معرفتهم بثقافة العمل الأوروبية وارتباطهم العميق بوطنهم الأم.

تنشيط قطاعات متوقفة

من جهة أخرى،والنقطة الأهم ، تشكل التحويلات المالية القادمة من أوروبا رافدًا مهمًا للاقتصاد السوري، لكنها لا تزال تُستخدم في معظمها للاستهلاك. ومع وجود جالية واسعة تمتلك رأس مال وخبرة وعلاقات، يمكن تحويل جزء من هذه الأموال إلى استثمارات إنتاجية في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات، بما يخلق فرص عمل داخل سوريا ويعيد تنشيط قطاعات شبه متوقفة.
ولأن ألمانيا، تدرك أن استقرار سوريا الاقتصادي يصب في مصلحتها المباشرة، فاقتصاد سوريا أكثر تماسكًا يعني موجات هجرة أقل، وفرصًا أكبر للشركات الألمانية التي تبحث دائمًا عن أسواق جديدة لآلاتها وتقنياتها، كما أن وجود جالية سورية واسعة ومندمجة يسهّل على الشركات الألمانية دخول السوق السورية مستقبلًا، عبر وسطاء يفهمون اللغتين والثقافتين.وفق الباحث د قوشجي .

ملامح تعاون

رغم إن الطريق لا يزال طويلًا، فإن ملامح التعاون الممكن بدأت تتشكل، فهناك رجال أعمال سوريون في ألمانيا ينسقون مع مصانع سورية لإدخال معدات أوروبية، وهناك مبادرات فردية لنقل الخبرات، ومحاولات لتأسيس مشاريع مشتركة. هذه الجهود الصغيرة قد تتحول إلى مسار اقتصادي واضح إذا تم دعمها رسميًا وتنظيمها ضمن إطار تعاون اقتصادي متدرج.
وختم الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي د ابراهيم قوشجي أنه تبدو العلاقة بين سوريا وألمانيا اليوم أمام فرصة نادرة، فالمهاجرون السوريون الذين وجدوا في ألمانيا ملاذًا جديدًا، يمكن أن يصبحوا الجسر الذي يعيد وصل ما انقطع بين البلدين، وإذا ما تم استثمار هذه الطاقة البشرية بالشكل الصحيح، فقد تتحول الهجرة من قصة ألم ومعاناة إلى قصة تنمية وشراكة تعود بالنفع على الطرفين.

Leave a Comment
آخر الأخبار