الفرصة المؤجلة.. كيف يمكن لسوريي المهجر إنعاش الاقتصاد السوري؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:

تواجه سوريا في المرحلة الراهنة تحديات اقتصادية حادة، مع ما يمكن وصفه بـ”إرهاق المانحين” بعد 14 عاماً من الأزمة، الأمر الذي أدى إلى تراجع ملحوظ في حجم المساعدات الإنسانية الدولية.
وفي الوقت ذاته، لا يزال المستثمرون الأجانب، سواء من دول الخليج أو تركيا أو أوروبا، يتعاملون بحذر شديد مع السوق السورية، بانتظار مستويات أعلى من الاستقرار والشفافية.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 1.4 مليون لاجئ و1.7 مليون نازح داخلي عادوا منذ كانون الثاني 2024، إلا أن معظمهم يواجه صعوبات كبيرة تتعلق بالسكن وفرص العمل والخدمات الأساسية، ما يزيد من الضغط على الاقتصاد المحلي.

شريان حياة مؤقت

في ظل هذا الواقع، برزت التحويلات المالية من سوريي المهجر كعنصر حيوي في دعم الاقتصاد، حيث بلغت نحو 4 مليارات دولار سنوياً في عام 2025، مشكّلة ما بين 15 إلى 20% من حجم الاقتصاد غير الرسمي.
غير أن هذه التحويلات، رغم أهميتها، تتركز بشكل أساسي في دعم الاستهلاك اليومي مثل الغذاء والوقود والإيجارات، ما يجعلها أقرب إلى أداة لضمان البقاء، لا لبناء مستقبل اقتصادي مستدام.

سوريّو المهجر

يؤكد الباحث الدكتور هشام الخياط لـ”الحرية” أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التدفقات المالية من مجرد مساعدات استهلاكية إلى استثمارات منتجة، تشمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تأهيل المصانع، وتنشيط القطاع الزراعي، فضلاً عن الاستثمار في التكنولوجيا.
ويشير إلى أن أكثر من 6 ملايين سوري في المهجر، إلى جانب ملايين آخرين خارج البلاد، يمثلون مخزوناً ضخماً من الكفاءات والخبرات ورؤوس الأموال والعلاقات الدولية، ما يجعلهم مؤهلين للعب دور محوري في عملية التعافي.

الإيمان الوطني

يرى الباحث الدكتور الخياط أن الاستثمار في سوريا اليوم لا يمكن فصله عن البعد الوطني، إذ يتطلب قدراً كبيراً من الإيمان بقدرة البلاد على التعافي، إلى جانب الاستعداد لتحمل المخاطر.
ولا يخفي أن مخاوف سوريي المهجر مشروعة، خاصة في ظل تجارب سابقة مرتبطة بالبيروقراطية المعقدة، والصفقات غير الشفافة، وبوادر الفساد التي لم تختفِ بالكامل، رغم تراجع بعض مظاهره.
ومع ذلك، يؤكد أن الفرصة التاريخية متاحة حالياً، خاصة مع تخفيف العقوبات وعودة قدر من الاستقرار، إضافة إلى امتلاك الجيل الجديد في المهجر مهارات متقدمة في مجالات الإدارة والتكنولوجيا والتمويل.
آليات عملية
ولتحويل هذا الدور من فكرة إلى واقع، يطرح الدكتور الخياط مجموعة من الآليات العملية التي يمكن أن تسهم في تفعيل مساهمة سوريي المهجر، من أبرزها:

برامج العودة المؤقتة

تسهيل زيارات دورية وقصيرة لسوريي المهجر تتيح لهم استكشاف الفرص الاستثمارية على الأرض، دون المخاطرة بفقدان إقاماتهم في الدول التي يعيشون فيها.

منصات استثمارية شفافة

إنشاء صناديق أو منصات استثمارية مخصصة لسوريي المهجر، تقوم على معايير واضحة من الشفافية، وتوفر ضمانات قانونية تحد من المحسوبية، مع توجيه الاستثمارات نحو قطاعات حيوية.

شراكات ثلاثية

تشجيع نماذج تعاون تجمع بين سوريي المهجر والحكومة والمستثمرين الأجانب، بحيث تتكامل الخبرات المحلية مع التمويل الكبير والغطاء القانوني.

إصلاح البيئة الإدارية

العمل على تقليص البيروقراطية عبر رقمنة الإجراءات، وإصدار قوانين استثمار حديثة، إلى جانب إنشاء آليات رقابة مستقلة تعزز الثقة لدى المستثمرين.
التركيز على القطاعات كثيفة العمالة
توجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تخلق فرص عمل سريعة، بما يسهم في استيعاب العائدين وتقليل الاعتماد على المساعدات.

لحظة حاسمة

يؤكد الدكتور الخياط أن المرحلة الحالية تمثل لحظة مفصلية، لا تحتمل الانتظار أو التردد، محذراً من أن تأجيل الاستثمار بانتظار “الظروف المثالية” قد يؤدي إلى فقدان الزخم التاريخي المتاح حالياً.
ويشدد على أن إعادة بناء سوريا لن تتحقق عبر المساعدات الدولية وحدها، ولا من خلال استثمارات خارجية متحفظة، بل عبر إرادة أبنائها في الداخل والخارج، وفي مقدمتهم سوريّو المهجر.

شراكة لا غنى عنها

في ضوء ذلك، يبرز سوريّو المهجر كشركاء أساسيين في عملية إعادة البناء، لا كمراقبين من بعيد. فدورهم يتجاوز التحويلات المالية إلى المساهمة الفعلية في إعادة تشكيل الاقتصاد، بما يضمن استدامة التعافي.

 

 

Leave a Comment
آخر الأخبار