الحرية- خضر الجاسم:
يعد موسم الزيتون في منبج وريفها هذا العام أحد أكثر المواسم قسوة منذ عقود، بفعل اجتماع عوامل الجفاف وتراجع معدلات الهطل المطري وارتفاع كلفة الزراعة والإنتاج، وسط غياب شبه كامل للدعم المقدم للمزارعين، ما انعكس مباشرة على حركة السوق وأدخل تجارة زيت الزيتون في حالة ركود شبه تامة.
وتُعد مدينة منبج؛ الواقعة في ريف حلب الشرقي من أبرز المناطق الشهيرة بزراعة الأشجار المثمرة، وعلى رأسها؛ شجرة الزيتون بصنفيها الخلخالي والزياتي ويحظيان بالانتشار الأوسع، إلى جانب أصناف أخرى مثل: الصوراني والجلط.
مزارعون وتجار أكدوا لـصحيفتنا ”الحرية“ أن ما كان يُعدّ لعقود عماد الأمن الغذائي ومصدراً رئيسياً لدخل آلاف الأسر في منبج وريفها، بات اليوم موسماً خاسراً يتهدد استمرارية هذه الزراعة، بعد أن تراجعت كميات الإنتاج في بعض المعاصر إلى عُشر ما كانت عليه سابقاً، وانكمشت حركة السوق إلى حدود غير مسبوقة، بين مياه جوفية تستعصي على المتناول، وتكاليف متصاعدة، وتصدير متوقف، وقوة شرائية منهكة جعلت زيت الزيتون يغيب عن موائد كثير من السكان.
ارتفاع الكلفة الزراعية
وأفاد عماد العقيلي مزارع وصاحب معصرة خلال تصريح خاص لصحيفتنا ”الحرية“ بأن منبج والمناطق المجاورة لم تشهد موسماً بهذه القسوة منذ 25 عاماً. مرجحاً أن السبب الرئيس لتراجع الإنتاج يعود إلى حالة الجفاف الحادة ونقص الرعاية بالأشجار نتيجة الأوضاع المادية المتعثرة للمزارعين.
وأشار العقيلي إلى أزمة المياه الجوفية باتت تشكل عائقاً كبيراً، حيث أصبحت الآبار على أعماق بعيدة جداً، ما رفع كلفة حفر وتجهيز البئر الواحدة إلى نحو 5 آلاف دولار حالياً، شاملةً الغطاسات والمعدات اللازمة، وهو ما يتجاوز قدرة معظم المزارعين.
وأوضح أن شجر الزيتون يحتاج إلى سقاية دورية بمعدل مرة واحدة شهرياً على أقل تقدير لضمان جودة المحصول، وهو أمر بات صعب التحقيق في ظل التكاليف الراهنة، ناهيك بضعف جودة الأدوية والمبيدات المتوفرة غير الفعالة؛ حيث يضطر المزارع لمضاعفة الكمية المستخدمة لضمان الحصول على نتيجة ملموسة.
وحسب العقيلي، فكلفة (البخة) الواحدة للهكتار الواحد، تصل إلى نحو 100 دولار، تشمل ثمن الأدوية وأجور الرشّ، علماً أن الموسم يتطلب دورتين من الرش في الشهرين الرابع والعاشر، وهو ما يثقل كاهل الفلاح في ظل غياب أي دعم أو تشجيع للقطاع الزراعي.
وكشف العقيلي عن مفارقة صادمة في أرقام العصر؛ فبينما كانت المعصرة الواحدة تعصر سابقاً ما بين 500 – 1500 طن من الزيت، تراجعت إنتاجية بعض المعاصر التي يبلغ عددها 25 معصرة- ومنها معصرته الشخصية – من 1000 طن في المواسم الماضية إلى نحو 150 طناً فقط هذا العام.
وفي ختام حديثه، أكد عماد العقيلي أن هذا الفارق الهائل يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الموسم الحالي، والتي تأثرت بشكل مباشر باختلالات العرض والطلب وضعف القوة الشرائية، ما جعل الزيتون يبتعد عن موائد الكثيرين نتيجة ظروف الناس المادية الصعبة.
ركود تجاري حاد
من جانبه، أكد سامي الشحاذة “تاجر ومزارع يمتلك أربعة هكتارات من شجر الزيتون”، أن التكاليف الباهظة التي يتكبدها الفلاح من فلاحة وسقاية عبر الصهاريج وأعمال الكساح والمبيدات، باتت تلتهم المردود المادي بالكامل، لدرجة أنها قد لا تغطي أجور العاملات اللاتي يقمن بجني المحصول.
وأرجع الشحاذة إلى أن تذبذب الأسعار من خلال افتتاح الموسم بسعر 100 دولار للتنكة الواحدة، ليتراوح لاحقاً بين 70 -80 دولاراً تبعاً لآليات العرض والطلب؛ برغم التوقعات السابقة بوصول السعر إلى 120 دولاراً، إلا أن حالة الركود محلياً حالت دون ذلك، وأدت إلى شلل شبه تام في الحركة التجارية نتيجة الظروف الميدانية المتقلبة.
ووفقاً للتاجر، فإن الزيت السوري يواجه منافسة عالمية شرسة، لا سيما من الزيت التونسي الذي يحظى بطلب دولي واسع، في ظل غياب الشركات التجارية السورية المعنية بالترويج للمنتج الوطني في الخارج.
وأشار الشحاذة بلغة الأرقام عن حجم التراجع الحاد في السوق؛ فنشاطه التجاري انحدر من تداول 600 تنكة يومياً في السابق إلى شراء 25 تنكة فقط حالياً يتم تصريفها على مدار أسبوع كامل.
وأضاف أن المناطق المحاذية لخطوط المواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية، والممتدة على سرير نهر الفرات، من سد تشرين وصولاً إلى مناطق عين العرب، تعد الخزان الاستراتيجي الأغنى بالزيتون لاعتمادها على مياه النهر في السقاية، وهو ما تسبب في فقدان أصحاب تلك الأراضي لمواسمهم بشكل شبه نهائي نتيجة التوترات الميدانية.
واختتم التاجر الشحاذة حديثه بضرورة تبني جملة من الإجراءات الإسعافية لدعم القطاع، منها تأمين المحروقات والأدوية الزراعية وتقديم القروض الحسنة وتوزيع الشتول، لضمان استمرار الفلاح في أرضه وحماية ما تبقى من هذه الثروة الوطنية.