سوق العمل بوابة التعافي الاقتصادي في سوريا وعليه تبنى دورة الإنتاج والدخل

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- نهلة أبو تك:

مع تصاعد الحديث عن التعافي الاقتصادي في سوريا، تتجه الأنظار غالباً إلى مشاريع إعادة الإعمار، وحركة الاستثمارات، وخطط تنشيط القطاعات الإنتاجية، غير أن التجارب الاقتصادية تؤكد أن التعافي الاقتصادي في سوريا لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة من دون إعادة تفعيل سوق العمل بوصفه القاعدة التي تستند إليها عملية النمو بأكملها.
فالاقتصاد لا يستعيد عافيته بضخ التمويل وحده، بل عبر إعادة تنشيط دورة الإنتاج والدخل، وهو ما يرتبط مباشرة بقدرة سوق العمل السوري على استيعاب الطاقات البشرية وتوظيفها بكفاءة، ومن هنا يصبح إصلاح سوق العمل في سوريا جزءاً أصيلاً من مسار التعافي، لا نتيجة لاحقة له.

سوق العمل في سوريا بعد الحرب… أولوية التعافي الاقتصادي

شهدت بنية الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب تحولات عميقة انعكست على طبيعة الأنشطة الإنتاجية وعلى هيكل سوق العمل في سوريا بعد الحرب، ومع دخول مرحلة التعافي التدريجي، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تضع تشغيل الكفاءات الوطنية في مقدمة الأولويات، بما يواكب احتياجات القطاعات المرشحة لقيادة النمو.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور سلمان صبيحة، خبير دراسات الجدوى الاقتصادية، في تصريح لـ«الحرية» أن «سوق العمل هو نقطة الانطلاق في أي خطة تعافٍ اقتصادي، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه دورة الإنتاج والدخل». ويوضح أن التعافي الاقتصادي في سوريا لا يتحقق بإطلاق المشاريع فحسب، بل بقدرة السوق على توفير كوادر مؤهلة قادرة على إدارتها وتشغيلها بكفاءة.
ويشير إلى أن فجوة المهارات في سوق العمل السوري تمثل تحدياً رئيسياً، ما يستدعي تطوير منظومة التدريب المهني والتقني بما يتوافق مع احتياجات القطاعات الإنتاجية الجديدة، ويؤكد أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل ضمانة طويلة الأمد للاستقرار الاقتصادي ورفع الإنتاجية.
فالقطاعات المرتبطة بالصناعات التحويلية الحديثة، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتقنيات الرقمية، تتطلب مهارات متخصصة، وهذا يفرض إعادة توجيه سياسات التأهيل بما يعزز قدرة سوق العمل في سوريا على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.

الإنتاجية معيار قياس التعافي الاقتصادي في سوريا

لا يُقاس التعافي الاقتصادي في سوريا بعدد الوظائف المعلنة فقط، بل بقدرتها على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني. فالوظائف منخفضة الإنتاجية تبقي النمو محدوداً، بينما يسهم التشغيل المرتبط بسلاسل إنتاج واضحة في توسيع القاعدة الاقتصادية وتحريك الأسواق المحلية.
ويؤكد الدكتور صبيحة أن رفع الإنتاجية في سوق العمل السوري هو المعيار الحقيقي لنجاح مرحلة التعافي، مشيراً إلى أن جودة التشغيل لا تقل أهمية عن كميته.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة رافعة سوق العمل السوري

تلعب المشاريع الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في دعم سوق العمل في سوريا، نظراً لمرونتها وقدرتها على الانتشار الجغرافي واستيعاب اليد العاملة، كما أنها تشكل قاعدة داعمة للصناعات الوطنية وتسهم في تنشيط سلاسل التوريد المحلية.
ويرى الدكتور صبيحة أن دعم هذا القطاع يتطلب بيئة تنظيمية مستقرة، وإجراءات مبسطة، وأدوات تمويل ميسرة، إضافة إلى كوادر مؤهلة. فتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة يسهم مباشرة في تنشيط الاقتصاد السوري وتحقيق تعافٍ تدريجي ومتوازن.

الاقتصاد الرقمي في سوريا… فرصة لتوسيع قاعدة التشغيل

في ظل التحولات العالمية المتسارعة، يبرز الاقتصاد الرقمي في سوريا كأحد المسارات الداعمة للتعافي الاقتصادي. فالعمل عن بُعد، والخدمات التقنية، والتجارة الإلكترونية، تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب السوري للاندماج في أسواق خارج الحدود التقليدية.
ويشير الدكتور صبيحة إلى أن دمج الاقتصاد الرقمي ضمن استراتيجية سوق العمل في سوريا بعد الحرب يمكن أن يعزز مرونة الاقتصاد ويوفر قنوات إضافية للنمو. لكنه يشدد على ضرورة تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتعزيز المهارات الرقمية، ووضع أطر تنظيمية واضحة تشجع الاستثمار في هذا المجال.

العمل اللائق وتنشيط الطلب الداخلي

يمثل استقرار فرص العمل وتحسين ظروفها عاملاً أساسياً في دعم التعافي الاقتصادي في سوريا. فكل وظيفة مستقرة تعني دخلاً منتظماً يعزز القدرة الشرائية، ويسهم في تنشيط الأسواق المحلية وتحريك الطلب الداخلي.
ويرى مختصون أن ترسيخ معايير العمل اللائق ضمن سوق العمل السوري يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويخلق بيئة أكثر جذباً للاستثمارات.

نحو تعافٍ اقتصادي قائم على الإنسان

إن إعادة الإعمار في سوريا ليست عملية إنشائية فحسب، بل مشروع اقتصادي اجتماعي طويل الأمد، وعندما يُوضع سوق العمل في سوريا في صدارة الأولويات، وتُربط الاستثمارات ببرامج تأهيل الكفاءات الوطنية، يتحول التعافي الاقتصادي في سوريا إلى مسار مستدام.
فالاقتصاد قد يُعاد بناؤه بالحجر، لكنه لا يستقر إلا بالإنسان، ومن هنا، يبقى إصلاح سوق العمل السوري وتعزيز إنتاجيته البوابة الحقيقية لتنشيط الاقتصاد السوري وضمان استدامة النمو في المرحلة المقبلة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار