الحرية_ ربا أحمد:
لا يخفى على أحد أن سوريا تعيش اليوم في مرحلة تحول اقتصادي هي الأصعب في تاريخها المعاصر، وقد تحول نظام الدعم القديم من سياسة حماية إلى عبء اقتصادي، ما يضع الحكومة أمام ضرورة تبني نموذج أكثر ذكاءً وإنصافاً.
ومع التراجع التدريجي لنظام الدعم التقليدي، لم يعد السؤال ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤالاً وجودياً، كيف نحمي العائلات السورية من السقوط في فخ الفقر المدقع؟
فنتيجة تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الضعف، لم يعد الفقر يهدد المهمشين فقط، بل بات يضغط بشدة على كبار السن، ذوي الإعاقة، والنساء المعيلات، والنازحين الذين فقدوا كل شيء، والعاطلين عن العمل.
شبكات الأمان الاجتماعي
الخبير الاقتصاد شادي الأحمد يرى أن الحل الأمثل اليوم هو اعتماد شبكات الأمان الاجتماعي فهي ليست صدقة بل “استهداف ذكي”و ليست مجرد “معونات”، بل هي حزمة برامج احترافية تشمل أولاً : النقد المشروط أي دعم مالي مباشر للأسر الفقيرة، يرتبط بتعليم أطفالهم وصحتهم (استثمار في المستقبل).
ثانياً: التشغيل المجتمعي، أي خلق فرص عمل في مشاريع إعادة الإعمار المحلية مقابل أجر، لتحريك عجلة الإنتاج والكرامة معاً.
إضافة إلى ثالثها: الحماية المتخصصة كالمعاشات الاجتماعية التي تضمن حياة كريمة لمن لا يستطيع العمل، ككبار السن وذوي الإعاقة.
وآخرها الدعم العيني الطارئ أي التدخل السريع بالحصص الغذائية المدرسية أو الطارئة لضمان عدم غياب التغذية الأساسية.
ضرورة “وطنية”
ويضيف أحمد: شبكات الأمان الاجتماعي باتت ضرورة وطنية لعدة أسباب، أهمها كفاءة الإنفاق بدلاً من توزيع الدعم “على الجميع”، كي تتركز الموارد المحدودة على من هم تحت خط الفقر الحرج فعلياً، ولحماية الإنسان السوري فهو صمام أمان يحمي أطفالنا من التسرب المدرسي وسوء التغذية، وبلا تعليم وصحة لا يوجد اقتصاد مستقبلي.
ومن أجل الاستقرار والمصداقية حيث ستخفف هذه الشبكة من حدة التوترات الاجتماعية، وتعطي إشارة قوية للمانحين الدوليين بأن هناك نظاماً شفافاً وقابلاً للمحاسبة يمكنه إيصال المساعدات لمستحقيها.
مقترح
ومن هنا يقترح أحمد على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن تنطلق بخطوات تنفيذية عاجلة، وأهمها: أولاً إطلاق “البطاقة الاجتماعية الموحدة” أي بناء قاعدة بيانات ديناميكية (Dynamic Registry) تعتمد على المسح الميداني والربط الرقمي لتحديد الأسر الأكثر استحقاقاً بدقة، وتجاوز البيروقراطية التقليدية.
وثانياً: التحول التدريجي نحو “الرقمنة النقدية” عن طريق استبدال أشكال الدعم العيني بآليات تحويل نقدي إلكتروني عبر الهواتف المحمولة أو البطاقات المصرفية، ما يقلل الهدر ويمنح المواطن حرية اختيار احتياجاته الأساسية.
وثالثها: برنامج “العمل مقابل التنمية” أي التنسيق مع المحليات لإطلاق مشاريع ترميم البنى التحتية الصغيرة باستخدام اليد العاملة المحلية من الفئات المتضررة، لتحويل الدعم من “استهلاكي” إلى “تنموي”.
وآخرها تأسيس “صندوق الحماية المستقل” لضمان استدامة التمويل عبر دمج المساعدات الدولية مع المخصصات المحلية تحت إشراف ورقابة صارمة تضمن الحيادية والشفافية.
استثمار الإنسان
ويختم أحمد بالتأكيد على أن شبكة الأمان الاجتماعي ليست ترفاً، بل هي استثمار في أغلى ما تملك سوريا وهو الإنسان، والنجاح في تصميم هذه الشبكة هو الاختبار الحقيقي للحكومة في عبور هذه المرحلة الانتقالية نحو التعافي.