سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية من الدعم إلى الاستثمار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

تشهد العلاقات السورية– السعودية تحوّلاً نوعياً يعكس إدراك المملكة العربية السعودية لأهمية سوريا الاستراتيجية عربياً وإقليمياً ودولياً، وحرصها على دعم استقرار الاقتصاد السوري وتعزيز قدراته التنموية، هذا التحول يضع العلاقة بين البلدين على مسار جديد يتجاوز الدعم التقليدي إلى شراكة اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد، قائمة على الاستثمار المنظم والمشاريع المؤسسية، بدلاً من المساعدات المؤقتة.

وفي حديثه لـ الحرية أوضح رئيس المركز السعودي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ناصر القرعاوي أن المملكة تولي اهتماماً بالغاً وأولوية مطلقة لسوريا، لافتاً إلى أن هذا الاهتمام ليس فقط على المستوى السياسي، بل يشمل أبعاداً اقتصادية ومالية حاسمة وقال القرعاوي:

«تولي المملكة أهمية بالغة وأولوية مطلقة للشقيقة سوريا حرصاً منها على مكانتها وأهميتها الاستراتيجية، ولذلك امتد الاهتمام السعودي بسوريا، خاصة بعد الأزمة وما خلفه الوضع الاقتصادي المتردي من آثار خلال السنوات الماضية، في هذا الإطار، توالى الدعم السخي السياسي والاقتصادي واللوجستي».

وأضاف القرعاوي إن الدعم السعودي لم يقتصر على الجوانب السياسية فقط، بل شمل الأبعاد الاقتصادية والتموينية، حيث تمثل بداية الدعم الاقتصادي في توفير الإمدادات والموارد الغذائية عبر قوافل التموين، إلى جانب دعم الحكومة السورية واستقرار عملتها الوطنية من خلال المنح المالية، ما أسهم في تعزيز قيمة الليرة ورفع مستوى الاستقرار الاقتصادي.

توجه أكثر تركيزاً وتنظيماً

وفيما يتعلق بالدور السعودي في القطاع الاقتصادي، أكد القرعاوي أن التحوّل الحالي يعكس توجهاً أكثر تنظيمًا وتركيزًا، يشمل الحكومة والقطاع الخاص، موجهاً نحو القطاعات السورية الأكثر حاجة للنهوض الاقتصادي. وقال: «في المجال الاقتصادي القوي، تحول الدور السعودي الحكومي والقطاع الخاص ضمن هذا التوجه ليصبح أكثر تركيزاً وتنظيماً، موجهاً نحو أهم القطاعات المحتاجة».

وأشار القرعاوي إلى أن القيادة السعودية تتابع أولويات سوريا بشكل مباشر، مع تكليف سمو ولي العهد برئاسة لجنة العمل السعودي– السوري المشتركة، مؤكداً أن الملف السوري يحظى بأولوية ضمن البرامج السعودية مع الأشقاء، أسوة بالملف اليمني. مضيفاً :«هذا التواجد يعكس حرص القيادة السعودية على متابعة الاحتياجات السورية مباشرة، ومواكبة المشاريع والبرامج بما يخدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلد».

حزم استثمارية سعودية كبرى في سوريا

وفي جانب الاستثمارات المستقبلية، كشف القرعاوي عن حزم مشاريع سعودية استراتيجية قيد الإطلاق، تشمل شركات سعودية كبرى تعمل على تطوير قطاعات متعددة وحيوية في سوريا. وأوضح: «هذه الخطوة ليست مجرد استثمار مالي، بل تمثل شراكة مؤسسية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد السوري على النمو المستدام».

وأشار القرعاوي إلى أن هذه المشاريع تمثل امتداداً للمرحلة السابقة من الدعم السعودي، مؤكداً أن المملكة كانت دوماً من الداعمين لسوريا، وأن الخطوات المقبلة أكثر استراتيجية وتركيزاً على القطاعات الحيوية، بما يضمن تأثيراً اقتصادياً ملموساً ومستداماً.

الاستثمار المنظم هو المدخل الحقيقي لاستقرار سوريا اقتصادياً

وحول الرؤية الاستراتيجية لهذه الاستثمارات، أوضح القرعاوي: «ترى المملكة أن الاستثمار المنظم هو المدخل الحقيقي لاستقرار سوريا اقتصادياً، وهو السبيل لإعادة دمج الاقتصاد السوري في الدورة الاقتصادية الإقليمية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. التركيز على القطاعات الحيوية مثل الطيران، والاتصالات، والمياه، والبنية التحتية يضمن أن تكون الشراكة مع سوريا مؤسسية ومستدامة، بعيداً عن المساعدات المؤقتة».

وأوضح القرعاوي أن هذه الاستثمارات ستسهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد السوري، وتحفيز القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يمكن سوريا تدريجياً من التحول إلى مركز جذب للاستثمارات الإقليمية والعربية. وأضاف:

«الاستثمارات القادمة ستدعم الاقتصاد السوري على المدى الطويل، عبر مشاريع مدروسة بعناية تضمن النمو المستدام وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتحقق تكاملاً بين الدعم السعودي المباشر والشراكة الاقتصادية المؤسسية».

تطور العلاقات السورية – السعودية من الدعم إلى الشراكة

يعكس هذا التوجه السعودي الجديد إدراك المملكة لأهمية سوريا كعنصر أساسي في الاستقرار الإقليمي، وضرورة توفير بيئة اقتصادية مستدامة تضمن الاستفادة من قدرات البلد الإنتاجية والبشرية، كما تؤكد هذه الاستثمارات الاستراتيجية رغبة السعودية في تعزيز الروابط الاقتصادية العربية–العربية، وإعادة سوريا إلى دائرة الاقتصاد الإقليمي بشكل منظم ومستدام.

وأكد القرعاوي أن هذه المرحلة الجديدة من العلاقات السورية – السعودية تمثل قفزة نوعية من الدعم المباشر إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، مشيراً إلى أن المجلس التنسيقي السعودي–السوري سيكون منصة متابعة هذه المشاريع، لضمان التنفيذ الفعال والمستدام بما يخدم التنمية الشاملة في سوريا. وقال:

«الرؤية السعودية واضحة الشراكة الاقتصادية طويلة الأمد، المبنية على الاستثمار المنظم في القطاعات الحيوية، هي الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا».

Leave a Comment
آخر الأخبار