الحرية – آلاء هشام عقدة :
في وقتٍ تُطرح فيه إعادة الإعمار كأحد أكبر الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، يعود ملف التمويل العقاري إلى الواجهة بوصفه أداة محورية لإعادة بناء الاستقرار السكني، لا مجرد نشاط مالي تقليدي.
في هذا السياق، عقدت هيئة الإشراف على التمويل العقاري اجتماعها الأول برئاسة وزير المالية، لوضع استراتيجية التمويل العقاري للأعوام 2026–2030، بالتعاون مع جهة استشارية دولية، في خطوة تهدف – وفق التصريحات الرسمية – إلى تطوير منظومة التمويل العقاري بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية.
غير أن هذا التوجّه، على أهميته، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بقدرة هذه الاستراتيجية على الانتقال من حيز التخطيط إلى التطبيق، ومدى مواءمتها للواقع الاقتصادي والمعيشي الذي يرزح تحته المواطن السوري، ولا سيما في ظل ضعف القدرة الشرائية واتساع فجوة السكن.
المدخل الإلزامي
الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد يرى أن الاستراتيجية الجديدة للتمويل العقاري، وفق ما رشح عنها من تصريحات، تقوم بالدرجة الأولى على تحديث بعض التشريعات القائمة، ولا سيما قوانين التمويل العقاري وآليات عمل هيئة الإشراف على التمويل العقاري.
ويؤكد في تصريح لـ الحرية أن «أي تطوير حقيقي للتمويل العقاري يجب أن ينعكس بتحديثات واضحة وملحوظة على التشريعات الناظمة، إضافة إلى القرارات التنفيذية المرتبطة بهذا التمويل خلال المرحلة المقبلة، لأن أي تحديث شكلي لن يكون كافياً لمعالجة الخلل القائم».
أرقام تتجاوز التمويل التقليدي
ويشير الدكتور محمد إلى أن سوريا تواجه تكاليف ضخمة لإعادة الإعمار تُقدّر بنحو 216 مليار دولار، وفق تصريحات البنك الدولي، تتوزع بين دمار واسع في البنى التحتية ودمار جزئي وكلي في المرافق العمرانية السكنية والتجارية.
ويضيف: «بعض التقديرات تشير إلى الحاجة إلى نحو 500 ألف شقة سكنية خلال الفترة المقبلة لتعويض ما تم تدميره خلال سنوات الحرب، وهو ما يضع أعباء كبيرة جداً أمام أي استراتيجية تمويل إسكان».
من الجغرافيا إلى الحاجة
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن هذه الأعباء «لا تقتصر على السكن فقط، بل تشمل أيضاً النشاط التجاري والبنى التحتية، مع العلم أن البنى التحتية يمكن أن تكون هدفاً لاستثمارات أخرى، وليس فقط ضمن صلب عمل التمويل العقاري».
ويشدد على أن «إعادة الإعمار يجب أن تتم وفق أولويات مخلفات الحرب، بحيث تُعطى الأفضلية للمحافظات الأكثر تضرراً، وهو عنصر يجب أن يكون حاضراً بوضوح في صلب الاستراتيجية».
التحدي الأكثر حساسية
وحول الواقع الاقتصادي، يوضح الدكتور محمد أن «الاقتصاد السوري يعاني تراجعاً كبيراً، حيث قدّر البنك الدولي إمكانية تحقيق نمو بنحو 1% في عام 2025، مقابل تسجيل انكماش بنسبة 1.5% في عام 2024»، ما يعكس استمرار ضعف القدرة الشرائية للمواطن.
وحتى مع التوقع بتحقيق نمو أكبر في عام 2026، فإن تحسّن القوة الشرائية يحتاج إلى زمن أطول، وهو ما يجعل ضعف الدخل عائقاً حقيقياً أمام الاستفادة الواسعة من التمويل العقاري.
القروض والدخل المحدود
ويرى الخبير الاقتصادي أن الأموال التي ستُضخ ضمن هذه الاستراتيجية ستكون على الأرجح عبر قروض موزعة على قطاعات مختلفة وبفوائد متفاوتة، لكنه يحذر من ان ضعف القدرة الشرائية سيجعل سداد هذه القروض أمراً شاقاً، ريثما تتحسن الدخول وتصبح شروط التمويل أكثر قابلية للتحمل.
الشريحة المستهدفة
ويؤكد الدكتور محمد أن الشريحة الأساسية التي يجب أن تستهدفها برامج التمويل العقاري هي الأسر التي فقدت مسكنها ومأواها، ويجب تخصيص جزء واضح من هذا التمويل لها، بشروط مريحة تراعي خصوصية هذه الفئة التي فقدت المأوى ومصادر الرزق معاً.
مبيناً أن هناك ضواحي تعرّضت لدمار جزئي أو كلي، ولا بد من توجيه جزء من التمويل إليها، إلا أن ذوي الدخل المحدود لن يكونوا قادرين على الاستفادة من التمويل التقليدي، ما يستوجب حلولاً تقوم على الترميم أو إعادة البناء وفق تقييم الفرق الهندسية المختصة.
تشريعات مرنة
وحول مفهوم تحديث التشريعات، يشدد الدكتور محمد على أن التحديث يجب أن يشمل كل ما يتعلق بالتمويل العقاري، من شروط شركات التمويل، وآليات عملها، والحصول على التمويل، وكيفية إنفاقه، والفوائد والعمولات، ولمن يوجَّه هذا التمويل.
ويؤكد أن سوريا لا تحتاج إلى قوانين جامدة، بل إلى تشريعات مرنة تنطلق من الواقع والحاجة، وتراعي المناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها فئة من هم دون مأوى.
معضلة مزمنة
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن سوريا تشهد منذ أكثر من عقدين ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات، وصلت حد مقارنتها بأسعار مدن عالمية كبرى مثل هونغ كونغ، وهي مقارنة مؤسفة للمواطن السوري، خاصة مع تصنيف سوريا ضمن الدول الأعلى عالمياً في ارتفاع أسعار العقارات.
تجمعات سكنية وتمويل اجتماعي
ويرى الدكتور محمد أن التحدي الأكبر يتمثل في بناء تجمعات سكنية كبيرة تساهم في تخفيض تكلفة الوحدة السكنية الواحدة، مع توفير تمويل بفوائد معتدلة أو منخفضة، تحقق هامش ربح مقبولاً لشركات التمويل العقاري، دون إغفال البعد الاجتماعي.
متى نلمس النتائج؟
ويختم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن «الاستراتيجية تمتد لخمس سنوات، وكلما تم الإسراع في تحديث التشريعات وتوفير التمويل وتلزيم المشاريع، أمكن اختصار الزمن.. والحديث عن نتائج ملموسة خلال عام واحد غير واقعي، والحد الأدنى لبدء ظهور أثر فعلي هو ثلاثة أعوام وهي رهن جدية المستثمرين، وسهولة تحويل الأموال، وتوفر العمالة، وبدء التنفيذ الفعلي.