الحرية- لبنى شاكر:
يُؤمن الشاعر سليمان السلمان بأن الخوف يقتل الموهبة، والحب أيضاً. لهذا ربما يبدو أفضل توصيفٍ له، ما قاله عنه الراحل وليد معماري “هو مشعلٌ آخرٌ للحرائق، وفي أشعاره الكثير من رائحة الكبريت. مشاغبٌ وصداميٌ، ومباشرٌ أيضاً. يتلقاه الجمهور بحماسة، ونجزم أن شعره، صوته، كلماته، كلمات الناس الباحثين عن رغيف خبز نظيف في عالمٍ مُلوث”.
شعر اجتماعي سياسي
أصدر السلمان ديوانه الأول (جزر النار) عام 1977، وحدّد فيه رؤيته في الكتابة، ثم (أعلم أني أحترق) وفيه من المباشريات الشيء الجميل، فالفقراء يحترقون في رغباتهم التي لا تتحقق وهذا ما يؤلمه جداً، يقول فيه “يا وطن البالات المنشورة في الطرقات، أنظر عينيك جائعتين تلوكان عيون الفقراء”. وله أيضاً (الحلم على جبين الصبح)، (ذاكرة الدم والأسيجة)، (نزق على حروف الصمت)، (جراح المسرات)، وفي الغزل (بركة السنا)، و(حنان الخزامى)، (خذني بومض القلب).
معظم ما كتبه الشاعر اجتماعياً، فعلٌ سياسيٌّ، يُدافع فيه عن فقراء الوطن ومعذبيه ومناضليه، رافضاً الفساد والضعة وأي سلوكٍ لا يخدم إنسانية الإنسان وكرامته وكفايته، ووطنه، وهذا ساهم في محاربته سنواتٍ طويلة، حتى أن البعض اتهمه بالمباشرة الفارغة، وربما كان خوفهم من الكلمة هو السبب، في حين اختارت كلماته دائماً الوثب باتجاه هدفها.
ولا يجوز على حد تعبيره الكتابة في (معميات الكلام)، فمن أين يفهم البسطاء ما يريده الشاعر؟، وهو لا يُطالبه بالنزول للجميع بقدر ما يحثه ليمد يده إليهم، لِيرفعهم إليه، فما معنى شعر يلزمه توليد، هو حكماً أعمى ومظلم.
في ديوانه (الحلم على جبين الصبح)، كتب بعنوان (أتوضأ بالدم):
أرغفتي… دمعات تكبر… تشهق
تنقلب رؤىً مجنونة
والصفحات المكتوبة بمداد البلغم
تجتر الحمى… تهذي
يا صاحبتي…!
أمجّد في صفحة خدك… أيقونة
من أنت؟
قصائد للأمس واليوم
في عموم نتاجه الأدبي، يرى أن القصيدة التي لا تثبت للزمن يجب أن تُلقى في النار، لكنه لم يُلق أياً من قصائده، بل إن أشعاره المكتوبة في الستينيات والسبعينيات، وكأنها تحكي عن اليوم. يقول عن نفسه “أنا أحد الشعراء الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن حق الفقراء في الحياة، والتعبير عن إنسانية الإنسان، في زمنٍ يُستهلك فيه كل موقفٍ وطنيٍّ شريف، في دنيا تُحاول أن تسيطر فيها الإمبريالية على مقدرات الشعوب، فتترك صدىً موجعاً على أبناء طبقتي الفقيرة، في العالم العربي. وأنا المناضل والمدافع عن الحق الفلسطيني أيضاً، فأنا شاعرٌ سوريٌّ ولدت في مدينة يافا، ثم عدت إلى قريتي خبب في حوران”.
ومن ديوانه (نزق على حروف الصمت)، بعنوان (إسار البحر):
كيف سأخطو؟!
الشاطئ سورٌ مأسور
والموج بلا خطو
يخبط في لج الصمت.. يدور
وعباب كالثوب المفتوح
على جسد طفلي.. يرعش كالعصفور
ونغور جميعاً.. ونغور
الوطن وأبناؤه أولاً
تنوعت نصوص السلمان بين الشعر والمقالة والقصة، دون أن يُعطي لغرضٍ أو موضوعٍ أهميةً على حساب آخر “فالوطن أولاً، وأبناؤه أولاً، وليس ثانياً”، أما قضية فلسطين، فإنسانية ولها أحاسيسها الخاصة عنده، وكأن الموضوعات متشابكة مع روحه. لهذا، اختار السلمان فقراء الشعب ليسمعهم شعره، وإذا كانوا لا يقرؤون فيجب أن نُسمعهم ونُعلّمهم، وإذا كان الواقع لا يسمح كثيراً بالوصول إلى مسامع الآخرين “فليكن همنا اليوم وطنياً، في انتظار الاستقرار، ثم يمكن تحقيق كل شيء”.
أما ما يدّعيه البعض من شعرٍ للنخبة، فلا يرى فيه ما يُرضيه، رغم أن النخبة مطلوبة، وهي موجودة في كل مكان، لكنها حين تطلب عبيداً من الشعب لخدمتها حتى في آرائهم ومواقفهم، فهي إذا نخبة لا نعرف مقاصدها، ولا يمكن لها أن تستميل الشعب برأيه.
ولا يجد السلمان مشكلة في تزاحم الشعراء الافتراضيين في صفحات فيسبوك، فالزمن كفيل ببقاء الأفضل كما يُؤكد، ولا سيما أن مستويات ما يكتبه البعض ليست مثيرةً للانتباه، خصوصاً أنهم لم يتعلموا أسس الكتابة والشعر، ومع ذلك الزمن كفيل بكل شيء.
في ديوانه (خذني بومض القلب)، ومن قصيدة (حيرة الأسئلة):
لماذا يصير الجواب سؤالاً
وتبقى على حيرة
كمرايا مقعرة بالجراح
لماذا الكلام عذاب الجراح
لماذا الكلام عذاب الشفاه
سماء الحديد لهم
وسماء التراب لنا
وفسفورهم أنجم النار
في برقه لحم أجسادنا.