شقاء التفكير ومتعة القراءة والكتابة المنقذة!

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية: جواد ديوب:

يحكي لنا الكاتب إدواردو غاليانو في كتابه السحريّ “كرة القدم بين الشمس والظل” حادثةَ شخصٍ يُدعى “فيكتور كوينتانا” وهو أحد أعضاء البرلمان المكسيكي حين تعرض للاختطاف على يد عصابةٍ من قتلة مأجورين بسبب كشفه عن قضايا فساد حكومي، كيف أنه رُكلَ مثل كرةٍ حتى شارف على الموت، وقبل أن يجهز عليه خاطفوه بطلقة أخذوا يتحدثون فيما بينهم عن ولعهم بكرة القدم، وكيف أن كوينتانا أخبره بأنه، رغم وضعه اليائس، أخذَ يشاركهم الحديثَ ويروي لهم قصصاً من كتاب غاليانو نفسه، وأنه مع كل حكايةٍ من تلك الصفحات كانت ثمة دقائقُ تُضاف إلى حياته، بعد أن استمتع الخاطفون بما رواه لهم من حكايات، ثم تركه القتلةُ مضروباً ومحطماً… ولكنّه حي!

صورةٌ ورديّةٌ!

أذكرُ هذه القصة لأنني أُدهَشُ دائماً من قوة الكلمات وأثر الحكايات التي يمكن فعلياً أن تُنقذَ المرءَ من الموت تحت مقصلة الجلاد، تماماً كما أنقذتْ شهرزادُ نفسها من بطش شهريار في الألف ليلة وليلة من الرّوي السحريّ اللانهائي مثل أحرف الأبجدية.
لكني أفكر بعذابات الكاتب ومسرّاته، إذ لا يلزمُ الكاتبُ، في تعامله مع اللغة، التسلّحَ بالعديد من الأدوات، ولا بإكسسوارات كالأغراض التي يضعها المخرج بدقة على خشبة المسرح ليكتمل المشهد أو الفعل الدرامي، بل ما يحتاجه هو الرقة والحنان والصبر والحكمة، فلا يهجر لغتَه محبوبتَه فتهجرُ سماءَ أحلامِه، ولا يحاصرها أو يقسرها فتجفلُ وتنتفضُ أفراسُ حريّتها نحو رحابةِ أن تكونَ على طبيعتها وتلقائيتها.
ربما هي صورةٌ ورديةٌ حالمةٌ تلك التي رسمتُها فوق، لكن الواقع هو شيءٌ غيرُ قابلٍ للشعريّة واللطف؛ لأن التمزّق والتردد والنوسان بين أن يكون كما يشتهي أو أن يكون كما يريد له الآخرون -مع المحاولات اللاهثة العبثية أحياناً لترميم صورته أمام نفسه- هي كلّها سماتُ المتعامل مع اللغة، مع اللغةِ الجارحة البارعة في التخفّي والتحوّل.

شقاءُ التفكير!

وبقدر ما يكشف الكاتب والكاتبة عن وجْدهما باللغة؛ بقدر ما تُعْجزهما تلك اللغةُ نفسُها عن أن يكونا حقيقيين واقعياً، فاللغة حجابٌ، حمّالةُ أوجهٍ، تجعلُ المتعاملَ معها -لفرطِ حساسيتها أيضاً- يُجاهد في تأمّلها وتأمل ذاته داخلها، وتأمل الوجود من خلالها، فيقع في مصيدتها كفراشةٍ في شبكة عنكبوت!

بمعنى آخر.. إن وعي الإنسان لذاته وللآخرين وللعالم الماديّ من حوله، يتمظهر لغوياً، فاللغة تفكيرٌ في الموجودات، وخِبرةٌ يراكمها عِبرَ المعيش واليوميّ، ما يُنتجُ لديه معرفةً بوساوسِه وهواجسِه ومكنوناتِ ذاكرته، معرفةً تُحيلُهُ إلى العلاقة بين الوجود والعدم، بين وجودِ “الأنا” وانعدامها، وكل ذلك يقوده -من دون شكّ- إلى شقاء التفكير، وأحياناً إلى الإحساس بعبثية الوجود، وفي النهاية إلى شيءٍ من الجنون، لأن اللغة نفسها عاجزةٌ عن إدراك “الحقيقة” أو “الحق”؛ أي إن العقل نفسه قد يخطئ طريقَ المعرفة، وما من وسيلة لمعرفة الحقائق الكونية إلا عبر التجلّي والكشف (الإشراق والعرفان)

رجلُ ثلج اللغة!

هكذا هو الكاتبُ إذاً؛ هشٌّ، رقيقٌ، زائدُ الحساسية، سريعُ الذوبان كلّما قاربتْهُ حرارةُ الاحتكاك بالآخرين. رجلُ ثلجِ اللغةِ هو، والكاتبة/الشاعرةُ زهرةُ هندباء رقيقةٌ تتطاير مع أقلّ نسمة، لكنها تنثر روحَها مئاتٍ من الزهرات الرقيقات في كل مكان حولها…ولذلك تستدرجهما الكلمات المُقالة همساً، والموسيقا التي تُهسهس، ويطفوان كريشة على وجه الغمر، خفيفان يهوّمان في أبخرة الأبجدية، تؤلمهما “الحقيقة”، وتوجعهما البشاعة مثل الجرح.
ولذلك، نجهل، أحياناً كثيرة، كيفية التعامل مع الكاتب، من حيث هو كائنٌ بقدر ما يلتصق بالواقع بالتفكّر فيه وإعادة موضعة حيثياته كما يراها في محرق عقله، بقدر ما هو بعيدٌ عن الواقع عملياً، أو لجهة الفعل الماديّ البحت، لدرجة أن إصلاحَ قفل خزانة أو حتى فتح علبة “سمنة” تبدو لبعض الكتّاب أحياناً شيئاً صعبَ التحقق، ويبدو هو لحظتها في عين الآخرين كأخرقٍ يغرقُ في كأس ماء!

معجزاتٌ صغيرة!

لكن باللغة الورديّة التي بدأتُ بها، يمكن القول إن “الواقع” هو القلم الذي نكتب به؛ بينما السِّحرُ هو الحبرُ الذي تتشكل منه اللغة. الواقعُ هو الفرشاةُ الصلبة؛ الشِّعرُ هو اللونُ الذي نرسمُ به لوحةَ أعمارنا، فاللغةُ متعةٌ، والكتابة ألمٌ. اللغة أداةٌ سحرية تحوّلنا إلى حماماتٍ تخرُجُ من قبعة الساحر؛ الكتابةُ هي الشقاءُ والإهانات والخيبات المرّة، وهي فقدانُ ملامح الوجه في مرآة الآخرين.
أ بعدَ كلِّ هذا يوجد من يرغب في أن يصبح كاتباً؟ أو أن تكونَ شاعرةً؟ فمن يريد ذلك، عليه أن يكونَ مثل الساحر؛ أن يخطو فوق النار ولا يحترق، أن يمشي على الماء ولا يغرق، وأن يُظهِرَ معجزاتِه الصغيرة للعالم.

Leave a Comment
آخر الأخبار