الحرية- آلاء هشام عقدة:
يحل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام في ظروف استثنائية تمر بها سوريا، حيث تتزامن بشائره مع مستجدات إيجابية كان المنتظر أن تنعكس على حياة المواطن المعيشية، تمثلت بإصدار العملة الجديدة، واستعادة منابع النفط السوري، وعودة أراضٍ جديدة خصبة مترامية الاطراف إلى الدولة السورية بعد تحريرها، وتحسن ملحوظ في توفر الكهرباء والغاز.
لكن المفارقة الصادمة أن الأسواق تشهد موجة غلاء واسعة طالت معظم السلع الأساسية، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأسر بشكل ظاهر، فبينما كان السوريون يأملون أن تترجم هذه المنجزات إلى انفراج اقتصادي ملموس، إذا بهم يفاجأون بارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب تتجاوز 50% مقارنة بالعام الماضي.
وللبحث في أسباب هذا الغلاء تواصلت الحرية مع الدكتور عبد الله أوبان دكتوراه في الاقتصاد والمحاسبة الذي بين أن هناك عوامل أساسية كانت وراء موجة الغلاء التي نشهدها قبيل رمضان ٢٠٢٦، إذ تلعب ثقافة المستهلك: بين التخزين المفرط والشراء بالتقسيط دوراً محورياً في فورة الأسعار الموسمية، فمع اقتراب شهر رمضان يتحول سلوك الكثيرين نحو التخزين المفرط بدافع الخوف من الندرة أو الارتفاع المفاجئ للأسعار.
وهذا الإقبال المتزايد على التموين يخلق طلباً مرتفعاً يتبعه حتماً سعر مرتفع، وهي معادلة اقتصادية بسيطة يغفل عنها كثيرون، غير أن المشهد في الأسواق السورية هذا العام يحمل مفارقة لافتة ؛ فرغم امتلاء المحال التجارية بالبضائع الرمضانية والمواد التموينية، بدت الحركة الشرائية أقل من المتوقع مقارنة بالعام السابق.
هذا الإقبال المحدود لا يعكس وعياً استهلاكياً بقدر ما يعبر عن عجز حقيقي في القدرة الشرائية، حيث بات الكثيرون يشترون كميات تكفي لبضعة أيام فقط، وقد تحولت مواد أساسية كالسكر والزيت والدقيق إلى عبء ثقيل على الموازنات الأسرية، ولترجح كفة الشراء في النهاية لصالح أهم الضروريات فقط على حساب أشياء كانت فيما سبق من عادات رمضان.
جشع التجار: استغلال الموسم رغم توفر السلع
في الجانب الآخر من المعادلة، يرى الدكتور أوبان أن التاجر الذي يستغل قدوم شهر رمضان لرفع الأسعار دون مبرر موضوعي، فالمفارقة أن هذه الزيادات تأتي على الرغم من ثبات سعر الدولار النسبي وتوفر المواد الغذائية المحلية والمستوردة في الأسواق، يتهم المواطنون التجار باستغلال المناسبات لتحقيق أرباح استثنائية، ويبدو أن “رمضان” أصبح مبرراً جاهزاً لرفع الأسعار متى شاء التاجر .
و يعزو التجار بدورهم هذه الزيادات إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع أسعار الاستيراد عالمياً ، لكن المتتبع يلاحظ أن غياب الرقابة الفعالة يفسح المجال أمام ممارسات احتكارية واضحة، حيث تتحول بعض السلع الأساسية إلى منتجات شبه كمالية لا يستطيع الفقير الوصول إليها، ونوه أوبان بأنه بينما تتحدث الجهات الرسمية عن توفر السلع والمخزون الاستراتيجي، يعيش المواطن ذو القوة الشرائية المحدودة تجربة يومية مغايرة في الأسواق، تعكس الفجوة بين المأمول والمُعاش.
بين وعي المستهلك ورقابة الدولة حلول مقترحة
وتابع أوبان حديثه بالقول إنه لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية ارتفاع الأسعار، فالمعالجة تتطلب جهوداً متضافرة من الجميع، على المستهلك وخصوصاً الميسور أن يدرك أن سلوك الشراء المندفع يغذي دوامة الغلاء على الأشد فقراً، لذا ينصح الخبراء بعدم التهافت على الشراء في اللحظات الأخيرة، والاكتفاء بالاحتياجات الفعلية بدلاً من التخزين المفرط.
أما على صعيد التجار، فالمطلوب استشعار روح الشهر الكريم والالتزام بهامش ربح معقول، فالاحتكار والمضاربة على أسعار الغذاء سلوكيات تتناقض مع قيم الرحمة والتكافل التي يمثلها رمضان، وتبرز هنا تجارب ناجحة لدول إسلامية يمكن الاستفادة منها، ففي المغرب، فعّلت السلطات الرقم الأخضر المخصص لتلقي شكاوى المواطنين حول الأسعار وجودة المنتجات، مع تشكيل لجان مراقبة دؤوبة، وفرض قانون يلزم التجار بإشهار لائحة الأسعار ، كما تعتمد المملكة على شبكة واسعة من الجمعيات لحماية المستهلك وترسيخ ثقافة التبليغ عن الضرر.
وفي مصر، أطلقت الحكومة مبادرة “أهلاً رمضان” التي وفرت آلاف المنافذ للبيع بأسعار مخفضة تراوحت بين 15% و30%، مع توجيه رئيس الوزراء بضرورة اتخاذ إجراءات رادعة ضد المتلاعبين بالأسعار والمحتكرين، كما تؤكد التجربة المصرية على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في ملف الاستيراد وتقديم تسهيلات للمزارعين لتعزيز الإنتاج المحلي .
وفي الختام يبقى ارتفاع الأسعار قبيل رمضان ظاهرة مركبة تتطلب معالجة شاملة، لا يمكن اختزالها في جشع التجار أو ثقافة المستهلك وحدها، ففي الوقت الذي يتحمل فيه التاجر مسؤولية أخلاقية وقانونية في عدم استغلال حاجة الناس، يقع على المستهلك واجب ترشيد استهلاكه ونبذ ثقافة التخزين المفرط .
أما الدولة فمطلوب منها تفعيل آليات الرقابة الفاعلة، وإقامة شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، ودعم الإنتاج المحلي لتحقيق الأمن الغذائي، و في النهاية، يبقى رمضان مدرسة في الصبر والعطاء والتضامن، وقيمه العظيمة قادرة وحدها على ردع الجشع وتوجيه السلوك نحو التوازن والعدالة.