الحرية – حسن العجيلي:
كما في كل موسم رمضاني يبدو مشهد أسواق مدينة حلب في حالة استنفار مبكر، ازدحام في الأسواق الشعبية وحركة نشطة في الشوارع التجارية، وأحاديث لا تنقطع عن الأسعار التي تقفز من أسبوع إلى آخر. 
المشهد الذي يصور طقساً سنوياً وبالرغم من حيويته الظاهرة إلا أنه يخفي قلقاً عميقاً يسيطر على المواطنين الذين يجوبون الأسواق، إذ تحول الاستعداد للشهر الفضيل من طقس اجتماعي دافئ إلى معركة يومية مع الأرقام، ومعظم أسواق أحياء المدينة من شرقها إلى غربها تشهد الحركة ذاتها من قبل المواطنين بحثاً عن فروقات بسيطة في أسعار ما يحملون من قوائم مختصرة بعناية تشهد حذفاً لسلع أو تأجيلاً لأخرى بحسب ما يتوفر في الجيب.
قوائم مختصرة وحسابات دقيقة للإنفاق
في سوق حي السكري تقف فاطمة عبد السميع وهي ربة منزل أمام بائع بقوليات تسأله عن سعر البرغل والأرز تدون الأرقام في ذهنها، ثم تنتقل إلى محل آخر للمقارنة، تقول في حديثها لـ ” الحرية ” لم نعد نشتري دفعة واحدة كما كنا نفعل قبل سنوات، وأصبحنا نشتري حاجتنا لأيام قليلة فقط، فكل ليرة أصبحت محسوبة، مضيفة أن الأسعار قد تبدو منخفضة إلا أن الدخل الضعيف يتفوق عليها بالانخفاض.
وتؤكد فاطمة أن المطبخ الحلبي المعروف بتعدد أصنافه وخاصة في رمضان من (كبب ومحاشي ومقبلات مختلفة)، سيشهد هذا العام إما حذفاً لبعض الأصناف ذات الكلفة المرتفعة أو تخفيضاً في الكميات بحسب المتاح.
منال العلي وهي موظفة توافقها الرأي مضيفة أن الأسعار وإن بدت مجرد تسعيرات على الورق، إلا أنها تعني عملياً أن تكلفة طبق تقليدي على المائدة ارتفعت مقارنة بالسابق وهذا يعني الاختصار أو استبدال المواد بمواد أخرى، مشيرة إلى أن بعض المحال تعرض مواد غذائية ضمن سلة ” رمضانية ” كنوع من الترويج إلا أن السعر لا يتغير، مؤكدة أن الحل يتطلب زيادة في الدخل ومراقبة مستمرة للأسواق .
جولة أسعار
ومن خلال جولة عدسة “الحرية” على الأسواق المحلية سجلت بعض الأصناف زيادة بالأسعار في حين حافظت بعض السلع على سعرها، حيث سجل البرغل 8000 ليرة، والأرز بدءاً من 9500 ليرة وصولاً إلى 20 ألف ليرة للكيلو، السميد 8 آلاف ليرة ، السكر 7500 ليرة، الفاصولياء الحب 18 ألف ليرة، العدس 12 ألف ليرة، الفول 20 ألف ليرة، زيت القلي الليتر بسعر 22 ألف ليرة، زيت الزيتون الليتر بدءاً من 75 ألف ليرة، السمنة ما بين 27-35 ألف ليرة للكيلو، طبق البيض ما بين 30-34 ألف ليرة، اللبنة 35 ألف ليرة، جبنة البقر 55 ألف ليرة، جبنة الغنم 75 ألف ليرة.
ويوضح عبد الرحيم الأحمد وهو بائع في سوق الفردوس أن الإقبال على الشراء منخفض مقارنة بالموسم نفسه سابقاً، مرجعاً ذلك لضعف الدخل، مضيفاً أن أغلب الزبائن تسأل عن الأسعار من خلال جولتها لتحصل على سعر أرخص، وفي حال قررت الشراء تشتري ما يلزمها بالحدود الدنيا، مشيراً إلى أن الازدحام لا يعكس انتعاشاً في السوق بل هو ” حركة بلا بركة “.
الخضار والفواكه.. سعر مرتفع وتبرير من البائع
وفي سوق الخضار بحي الأشرفية يعترف بائع الخضار حمزة الحسين بأن الأسعار مرتفعة ولكنهم مضطرون للبيع بهذا السعر لأن الأسعار من سوق الهال مرتفعة، وأن الجميع يبرر بأن السعر مرتفع من المصدر أي من التاجر الرئيسي الذي يورد البضاعة، مضيفاً أن البيع بكميات قليلة أصبح شيئاً اعتيادياً وقد تصل لأقل من نصف كيلو بحسب ما يتوفر من الزبون من نقود.
وسجلت أسعار الخضار 10 آلاف ليرة للبندورة، والبطاطا ما بين 4 – 7 آلاف ليرة للكيلو، فليفلة 9 آلاف ليرة، الباذنجان 15 ألف ليرة، الكوسا 10 آلاف ليرة، السبانخ 5 آلاف ليرة، الليمون 15 ألف ليرة، البرتقال 10 آلاف ليرة، التفاح 15-25 ألف ليرة، الموز 10 آلاف ليرة، الفطر 65 ألف ليرة.
فجوة الدخل جوهر المشكلة
الخبير الاقتصادي حسان الموسى وفي حديثه لـ ” الحرية ” يرى أن ما تشهده حلب يعكس صورة الوضع الاقتصادي بشكل عام، مضيفاً أن تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل تنعكس مباشرة على أسعار السلع، كما أن زيادة الطلب الموسمي قبل رمضان تفتح المجال أحياناً لمضاربات أو تخزين يرفع الأسعار بشكل إضافي.
ويتابع الموسى: المشكلة الأساسية هي الفجوة بين الدخل والأسعار، فمهما كانت الأسعار منخفضة وفقاً لسعر الصرف الحالي وتكاليف الاستيراد أو التصنيع فإنها تكون مرتفعة قياساً للدخل، فالراتب المتوسط في حلب لا يغطي اليوم سوى جزء بسيط من احتياجات الشهر.
ومن الناحية التسويقية يلاحظ الموسى أن المستهلك أصبح أكثر ميلاً للمقارنة بين المحال، وأكثر استعداداً لتغيير عاداته الغذائية بحثاً عن السعر الأفضل، مؤكداً أن الولاء للعلامات التجارية تراجع، وأصبح السعر هو العامل الحاسم في قرار الشراء.
معادلة جديدة
مع بداية الشهر الفضيل ستظل الأسواق في حلب مزدحمة، لكن بثقافة استهلاك جديدة عنوانها الحذر والتقشف، وبين رفوف المحال الغذائية وأسواق الخضار يعيد أبناء حلب رسم علاقتهم بالمائدة وفق معادلة إنفاق جديدة، في محاولة للحفاظ على التوازن بين واقع اقتصادي ضاغط ورغبة عميقة في أن يبقى رمضان شهراً للدفء العائلي لا موسماً للقلق من الأسعار، كما هو الحال في كل عام.
تصوير – صهيب عمراية