صدمة ما بعد الأعياد تحتاج حلولاً واقعية لإعادة التوازن المالي للأسر السورية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:
في مشهد يتكرر سنوياً، لكنه يحمل هذا العام طابعاً استثنائياً، وجدت الأسر السورية نفسها أمام اختبار مزدوج بعد أن تزامن ثاني أيام عيد الفطر مع عيد الأم، ليتحول موسم الفرح التقليدي إلى عبء مالي مضاعف يكشف مرة أخرى هشاشة الواقع المعيشي الذي تعيشه الغالبية.
فالإنفاق المرتفع على الغذاء والملابس والالتزامات الاجتماعية خلال شهر رمضان، ثم الاضطرار إلى تخصيص ميزانية إضافية لعيد الأم في خضم أيام العيد، ترك فجوة نقدية واضحة في ميزانيات الأسر، اضطر معها كثيرون إلى الاستدانة أو استنزاف مدخرات كان يُفترض أن تكون مخصصة لحالات الطوارئ.

عمق الأزمة

هذا التزامن، وفق رأي الخبير الاقتصادي زياد الصالحاني، في حديثه لـ”الحرية” لم يكن مجرد صدفة تقويمية، بل كشف عن عمق الأزمة التي وصلت إليها الأسر السورية، حيث باتت غير قادرة على استيعاب أكثر من مناسبة واحدة في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وتآكل متواصل للقدرة الشرائية، ما أدى إلى تأجيل الكثير من النفقات الأساسية كالتعليم والعلاج، بل وصل الأمر في حالات كثيرة إلى تقنين استهلاك الأدوية المزمنة.

إعادة ضبط الميزانية التحدي الأكبر

إن ما شهدته االأيام الماضية من إنفاق متزايد خلال عيد الفطر وعيد الأم معاً وسفر بعض العوائل، وضع الأسر أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إعادة ترتيب أوراقها المالية بعد انتهاء الموسم، حيث بين الصالحاني أن البيئة الاقتصادية الحالية، التي تتسم بتقلبات حادة في سعر الصرف وغياب استقرار الأسعار، تجعل أي تخطيط مالي مسبق أشبه بمغامرة غير مضمونة النتائج، لافتاً إلى أن كثيراً من الأسر تضطر بعد انتهاء المناسبات إلى الدخول في مرحلة تقشف قسري، تصل إلى حد تأجيل دفع أقساط المدارس أو تأخير مواعيد مراجعة الأطباء.
وأن ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً هو تراكم الالتزامات في وقت قصير، فبدلاً من أن تكون العائلات أمام فرصة لالتقاط الأنفاس بعد رمضان، فوجئت بمناسبة جديدة تستنزف ما تبقى من مدخرات، وهذا يعيدنا إلى نقطة الصفر في محاولات إعادة التوازن المالي.

الوجه الآخر للأزمة

لكن الأزمة، كما تصفها هدى شعبان خبيرة اجتماعية، ليست مالية فقط، بل تمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي، فتحول المناسبات التي كانت مصدر فرح إلى مصدر قلق ومديونية يخلق حالة من التوتر تنعكس سلباً على الاستقرار الأسري.
هذا العام، ومع تزامن عيد الأم مع أجواء العيد، ازداد الشعور بالعجز لدى كثير من الأسر التي وجدت نفسها مضطرة للمفاضلة بين تلبية رغبات الأطفال من جهة، وتقديم ما يليق بالأم من جهة أخرى، في ظل ميزانية واحدة لا تكفي لأي منهما.
وتؤكد أن هذا النوع من الضغط النفسي المرتبط بالمال، يتحول بسرعة إلى احتقان داخلي، خاصة في ظل غياب أي شبكة حماية اجتماعية حقيقية يمكن أن تخفف من وطأة هذه اللحظات.

بين الجهد الفردي والمطلوب الرسمي

ورغم قسوة المشهد، ترى شعبان أن هناك إجراءات عملية يمكن للأسر أن تلجأ إليها لتجاوز هذه المرحلة، مؤكدة أن الحلول وإن كانت فردية في جزء منها، فإن نجاحها يحتاج إلى بيئة داعمة ومبادرات مجتمعية، إضافة إلى خطوات محددة يمكن للجهات الرسمية تنفيذها بتكلفة منخفضة لكن تأثيرها كبير.

الميزانية الصفرية على المستوى الأسري

من جهته يشير الصالحاني إلى أهمية اتباع أسلوب “الميزانية الصفرية” لمدة شهرين بعد العيد، أي إعادة ترتيب النفقات من الصفر بحيث يُخصص كل جزء من الدخل لبند محدد، مع إلغاء أي بنود كمالية بشكل مؤقت، ويوصي أيضاً بالعودة إلى ثقافة الشراء الجماعي بين الأقارب أو الجيران لتأمين المواد الأساسية بأسعار أقل، وهي ثقافة كانت سائدة في سوريا ولا تزال قابلة للحياة.
كما يقترح الخبير تحويل بعض الأدوات المنزلية أو الملابس غير المستخدمة إلى سيولة عبر الأسواق الشعبية أو منصات التواصل، معتبراً أن هذا الحل يبقى مؤقتاً ولا يمكن الاعتماد عليه كأسلوب دائم.

على المستوى المجتمعي

أما شعبان فتدعو إلى إحياء مفهوم صناديق التكافل المحلية في الأحياء والأبنية السكنية، بحيث تشارك كل أسرة بمبلغ رمزي شهري، يُصرف للأسرة الأكثر احتياجاً وفق آلية شفافة، مشيرة إلى أن هذه التجربة كانت ناجحة في الماضي ويمكن إعادة إنتاجها اليوم لتشكل شبكة أمان مجتمعية بسيطة لكنها فعالة.
كما تقترح العودة إلى ثقافة مقايضة الخدمات بين الأسر، كتعليم الأطفال مقابل الخياطة أو الصيانة البسيطة، ما يخفف الأعباء المالية مع الحفاظ على تلبية الاحتياجات الأساسية.

على المستوى الاقتصادي العام

و يرى الخبير أن الخطوة الأكثر تأثيراً والتي يمكن للجهات المعنية تنفيذها فوراً، هي تحديد سلة غذاء أساسية (خبز، زيت، أرز، سكر، عدس وغيره) بأسعار مخفضة عبر منافذ ثابتة، ولو بأعداد محدودة، أسوة بتجارب سابقة أثبتت نجاحاً في امتصاص الصدمات.

Leave a Comment
آخر الأخبار