صنّاع المحتوى والذكاء الاصطناعي يعيدان رسم السلطة الإخبارية

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – حسين الإبراهيم: 

  1. هل أصبح “الموثوق” في الأخبار شخصاً لا مؤسسة؟
  2. عندما يكون الذكاء الاصطناعي هو البوابة، من يتحكم في الحقيقة؟
  3. ما الذي سيحدث للسرديات الوطنية والعامة عندما تصبح الخوارزميات هي من تختار “الجهات الموثوقة” بدلاً من المؤسسات؟
  4. هل يصبح اليوتيوبر مصدرك الموثوق للأخبار؟… عندما يضعف سلطان المؤسسات وتتولى الخوارزميات القيادة

لا يمكننا أن ننكر أننا في زمن لم يعد فيه الوصول إلى الأخبار محصوراً بشاشة التلفزيون أو صدر الجريدة، لقد برز جيل جديد من صانعي الوعي: YouTubers، TikTokers، Podcasters، تحولوا من صنّاع محتوى ترفيهي إلى مصادر موثوقة لدى فئات واسعة، خصوصاً الشباب. لم يعد الجمهور بحاجة إلى وسيط مؤسسي ليفهم ما يجري؛ بل يثق بشخص يعرفه من خلال الشاشة الصغيرة، يتحدث بلغته، ويعكس مخاوفه واهتماماته.

لكن هذه الثقة الجديدة تأتي في لحظة تحول كبرى: فالذكاء الاصطناعي، الذي كان قبل سنوات مجرد أداة مساعدة للتوصية بالمحتوى، أصبح اليوم المسار المهيمن للوصول إلى الأخبار، حيث تقرر الخوارزميات ما يراه المستخدم ومَن يستحق أن يكون موثوقاً في عينيه. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: في عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الرأي بسهولة، وتختفي فيه الحدود بين التحليل والترفيه، كيف يمكن للجمهور أن يميز؟ والأكثر إثارة للقلق: ماذا يفعل عندما يشك في صحة ما يراه؟

تقرير رويترز لمعهد دراسة الصحافة (Reuters Institute Digital News Report 2026) يقدم رقماً صادماً: 58% من الجمهور يعترفون بأنهم قلقون من قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والرأي في المحتوى الإخباري.

المفارقة أن القلق لا يدفعهم نحو المؤسسات التقليدية بالضرورة، بل نحو مصادرهم الموثوقة الشخصية، أولئك المؤثرون الذين بنوا جسوراً من الصدق الظاهري والتفاعل المباشر. 

هنا يقع السؤال الأصعب: هل يؤدي صعود هؤلاء “مولّدو الأخبار” إلى إضعاف سيطرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على السرد الإخباري بطريقة صحية وتعدّدية، أم إنه يفتح الباب أمام تجزئة الحقائق وولادة حقائق موازية يصعب تنسيقها؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي هو من يقرر من يصل ومن يُهمّش، فكيف يمكن للجمهور ـ بل وللمؤسسات نفسها ـ أن تتنافس في سوق مزدحم بالشخصيات الجذابة والخوارزميات غير الشفافة؟

هذا المقال يحاول مقاربة هذه الإشكاليات من خلال بيانات تقرير رويترز ٢٠٢٦، ويقدم رؤية حول ما يمكن أن تفعله المؤسسات الإعلامية ليس باستعادة هيمنتها القديمة، بل بإعادة تعريف دورها: الاستثمار في التحقيق الأصلي، والتحليل السياقي، والأهم، التواصل الواضح حول دور الذكاء الاصطناعي في محتواها، قبل أن يصبح السؤال ليس مَن يروي القصة؟ بل هل تبقى حقيقة واحدة قادرة على جمعنا؟

عندما يختار الجمهور اليوتيوبر مصدراً للأخبار 

ليس سراً أن جمهور الأخبار، وخصوصاً الشباب، بدأ يبتعد عن المؤسسات الإعلامية التقليدية. لكن الجديد الذي يكشفه تقرير رويترز لمعهد دراسة الصحافة لعام 2026 هو أن هذا الابتعاد لم يعد مجرد هروب من التلفزيون أو الجريدة، بل تحول إلى ولاء بديل لأفراد محددين: YouTubers، TikTokers، Podcasters أصبحوا لدى فئات واسعة مصادر موثوقة بامتياز.

هؤلاء “مولّدو الأخبار” لا يقدمون أنفسهم كصحافيين، لكنهم ينجحون في بناء علاقة ثقة تفوق ما تبنيه المؤسسات العريقة. النتيجة: السيطرة التقليدية على السرد الإخباري تتآكل، والمؤسسات تجد نفسها مضطرة للتنافس مع شخصيات لا تلتزم بقواعد المهنة ذاتها.

الخوارزمية هي المحرر 

كان الذكاء الاصطناعي قبل سنوات مجرد أداة مساعدة: توصي بمقال مشابه، أو تعيد ترتيب النتائج. اليوم، تحول إلى المسار الأكثر هيمنة للوصول إلى الأخبار. على منصات مثل تيك توك ويوتيوب، لا يصل المحتوى إلى الجمهور عبر اختياره الواعي، بل عبر خوارزميات توزع الرؤية بناءً على التفاعل والمشاهدة. وهذا يخلق واقعاً جديداً: من لا يتقن لعبة الخوارزميات يختفي، بغض النظر عن جودة تحقيقاته.

هنا تبرز المعضلة الكبرى للصحفي التقليدي. المؤسسات تستثمر في التحقق والتدقيق، لكن الخوارزميات تفضل المحتوى السريع، العاطفي، والحواري الذي يقدمه صنّاع المحتوى. والفرق شاسع: الصحفي يكتب الحقيقة كما هي، أما مولّد الأخبار فيقدم الحقيقة كما أشعر بها أنا. في غياب بوابات واضحة، يصبح التمييز بين الاثنين أشبه بتخمين.

القلق الواعي… والثقة الشخصية 

تقرير رويترز 2026 يوثق رقماً لافتاً: 58% من الجمهور يعترفون بأنهم قلقون من قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والرأي في المحتوى الإخباري. هذا يعني أن أكثر من نصف المستخدمين يشعرون بأنهم قد يقعون في فخ المعلومات المضللة أو الآراء المقنعة التي تُقدّم كحقائق.

لكن المفارقة أن هذا القلق لا يدفعهم نحو المؤسسات التقليدية. بل على العكس: عندما يشك الجمهور في معلومة، يعود إلى مصادره الموثوقة الشخصية ـ ذلك اليوتيوبر أو البودكاستر الذي يتابعونه منذ سنوات. الثقة هنا ليست مؤسسية، بل علائقية: أثق به لأنه يشبهني، ولأنه أخطأ أمامي واعترف بخطئه.

المؤسسة الإعلامية تبنى مصداقيتها على الحيادية والإجراءات، بينما يبني مولّد الأخبار مصداقيته على الصدق الشخصي والضعف الظاهر. 

ماذا تفعل المؤسسات؟ 

بدلاً من البكاء على الأطلال، يشير تقرير رويترز إلى اتجاهات عملية يمكن للمؤسسات الإعلامية تبنيها. وهي ليست دعوة لمحاكاة صنّاع المحتوى، بل للعودة إلى ما يميز الصحافة حقاً، مع إضافة طبقة جديدة من الشفافية.

أولاً: الاستثمار في التحقيق الأصلي: ليس مجرد تغطية الأحداث، بل كشف ما لا يستطيع صنّاع المحتوى الوصول إليه لضيق الوقت أو الموارد. المؤسسة التي تنتج تحقيقاً يستغرق شهوراً تقدم قيمة لا يمكن للتيكتوكر تقليدها.

ثانياً: التحليل السياقي: في عالم تتناثر فيه الأخبار كمقاطع قصيرة، يصبح من يشرح لماذا وكيف هو الأكثر احتياجاً. الجمهور الذي يشعر بالقلق من عدم التمييز سيبحث عن من يضع له الخريطة.

ثالثاً: التواصل الواضح حول دور الذكاء الاصطناعي: كثير من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي في التحرير، التلخيص، أو حتى كتابة عناوين فرعية. لكن القليل من يخبر الجمهور بذلك. التقرير ينصح بأن تكون المؤسسات صريحة: هذا الخبر حرره إنسان، وهذه التوصيات من خوارزمية. الشفافية تبني الثقة أكثر من إخفاء الآلية.

هي ليست دعوة لمحاكاة صنّاع المحتوى، بل للعودة إلى ما يميز الصحافة حقاً، مع إضافة طبقة جديدة من الشفافية.

خلاصة للزملاء الصحفيين 

لن تستعيد المؤسسات هيمنتها على السرد بقمع صنّاع المحتوى أو تجاهلهم. الجمهور قرر أن يثق بأفراد، وليس بشعارات. لكن هذا لا يعني نهاية الصحافة. بل يعني أن دورها يحتاج إعادة تعريف: من حارسة البوابة إلى مرشدة في الغابة. المؤسسات التي ستنجح هي التي تقدم ما لا تستطيع الخوارزمية تقديمه: تحقيق أصلي، سياق عميق، وعلاقة شفافة مع الجمهور حول أدواتها ـ بما فيها الذكاء الاصطناعي. أما الباقي، فسيظل يبحث عن متابعيه في متاهة خوارزمية لا تعرف معنى الحقيقة.

Leave a Comment
آخر الأخبار