الحرية- إلهام عثمان:
في سوريا اليوم، قد يكون الوصول إلى طبيب نفسي ترفاً يفوق القدرة، فسنوات الحرب لم تدمر المستشفيات فحسب، بل أدت إلى هجرة العقول والكفاءات.. لكن الحاجة للدعم النفسي، خاصة بين الأطفال، لم تكن يوماً أكثر إلحاحاً، فكيف يمكن سد هذه الفجوة الهائلة بين الحاجة والموارد المتاحة؟
خط دفاع أول
الإجابة؛ كان محور لقائنا مع خبير علم الاجتماع عمر الحسن الذي استهل حديثه مع “الحرية” بالقول: إن الحل يكمن في تمكين كل فرد ليكون خط دفاع أول، عبر ما يُعرف بـالدعم النفسي الأولي المجتمعي، واصفاً ذلك بأنه مجموعة من الأدوات البسيطة والفعالة التي يمكن لأي أب أو أم أو معلم تطبيقها للمساعدة في تخفيف آثار الصدمة..
بناء الأمان في عالم فوضوي
و يسترسل الحسن بأن أول ما يفقده الطفل في الحرب هو الشعور بالأمان، وأن كل شيء يصبح فوضوياً وغير متوقع. لذلك، فإن أول وأهم أداة علاجية هي إعادة بناء الروتين، و تحديد وقت ثابت للاستيقاظ بالإضافة لوجبات الطعام، و للدراسة وللعب، وحتى للنوم، والسبب أن هذا الروتين البسيط يخلق هيكلاً يومياً يمكن الطفل من الاعتماد عليه، ويقلل بشكل كبير من مستويات القلق والتوتر الناتجة عن عدم اليقين.
أما في المدارس، فيساعد جدول الحصص الثابت ورنين الجرس في أوقات محددة على استعادة هذا الإحساس بالاستقرار..
أكبر الأخطاء
كما أضاف الحسن أن الاستماع الفعّال هو نوع من العلاج، فالاعتراف بالألم عندما يرسم طفل مشهداً عنيفاً أو يتحدث عن كابوس، فإن رد الفعل الغريزي لدى الكثير من البالغين هو محاولة صرف انتباهه بقول “انسَ الأمر” أو “لا تفكر في هذه الأشياء المحزنة”، وهنا حذر الحسن من أن هذه الجمل من أكبر الأخطاء التي يقترفها البالغون
كما نوه الحسن بأهمية الاستماع الفعّال والتحقق من صحة المشاعر لدى الطفل، ويقول. الحسن: بدلاً من إنكار شعوره، اقترب منه وقل له: أرى أن هذا الرسم يحمل الكثير من الغضب! أو يبدو أن هذا الحلم كان مخيفاً جداً، أنا هنا للاستماع إذا أردت التحدث، فمجرد الاعتراف بألم الطفل والجلوس معه في تلك اللحظة هو بحد ذاته علاج، فيوحي له أن مشاعره مسموعة ومقبولة وليست شيئاً يجب أن يخجل منه.
اللعب والحركة
و لفت الحسن إلى ضرورة تفريغ التوتر من الجسد، و السبب أن الصدمة لا تسكن في العقل فقط، بل تسكن في الجسد أيضاً، وأن التوتر والقلق والخوف تتراكم في عضلات الطفل وتظهر على شكل عدوانية، أو فرط حركة، أو خمول شديد.
كما بيّن الحسن أن اللعب المنظم والأنشطة الحركية التي تنظم من خلال ألعاب جماعية مثل كرة القدم، أو سباقات الجري، أو حتى الرقص والموسيقى في ساحة المدرسة، ليس مجرد ترفيه، بل هي أنشطة تساعد الأطفال على تفريغ الطاقة المكبوتة بطريقة صحية وآمنة.
ألعاب لتفريغ الطاقة
ومن طرق تفريغ الطاقة في المنزل التي يمكن اتباعها مع الأطفال في سن مبكرة هناك عدة ألعاب وفق الحسن وهي: لعبة المشي على الذراعين، لعبة ترتيب الكراسي، لعبة الحصان فوق الظهر، والأرجوحة المقلوبة، وجر الطفل على الأرض، دراجة الساقين، لعبة المشي على القدمين والرجلين
وأضاف: هناك الألعاب للأطفال الأكبر سناً التي تتطلب تعاوناً وتلامساً جسدياً (مثل ألعاب بناء الفريق)، تسهم في إعادة بناء الثقة بالآخرين والروابط الاجتماعية التي دمرتها الحرب.
تسليح المجتمع
وختم الحسن: إن مواجهة الأزمة النفسية الهائلة في سوريا لن تتم عبر بناء عيادات فاخرة، بل عبر تسليح المجتمع بأكمله بهذه الأدوات البسيطة، فعندما يصبح كل معلم قادراً على احتواء غضب طالب، وكل أم قادرة على طمأنة طفلها بعد كابوس، عندها فقط يبدأ الشفاء الحقيقي من القاعدة إلى القمة.