طقوس رمضان في الريف بين الماضي والحاضر

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:

“رمضان” هو الشهر الذي يحيي في قلوبنا أسمى معاني الإيمان والرحمة، وفيه تتجدد الطقوس والذكريات، وتزدهر أجواء المحبة والتآلف بين الأفراد والمجتمعات، ورغم التغيرات التي طرأت على أساليب حياتنا بسبب التطور التكنولوجي والتحولات الاجتماعية، إلا أن الروح الرمضانية ظلت ثابتة فينا، ترافقنا كل عام في لحظات الفطور والسحور..
في هذا التقرير نلقي الضوء على طقوس رمضان التقليدية التي عاشها الأجداد، وما يزال بعضها حاضراً في ذاكرة أهلنا، ومستمرة في زمننا الحالي.

المحبة والألفة..

في حديث لـ”الحرية”، يروي الباحث في التراث الشعبي اللامادي نبيل عجمية ذكريات رمضانية تغمرها المحبة والألفة، مستعرضاً الفرق بين طقوس “رمضان” في الماضي والحاضر، وكيف بقيت الروح الرمضانية على الرغم من تغير الزمان والمكان.
قال: مع رفع أذان الفجر في شهر رمضان تعود إلى بعضنا ذكريات الطفولة في القرية، لذلك المسجد الصغير، الذي بناه أهالي قريتي بيت ياشوط، تحت إشراف القاضي الشيخ عبد اللطيف سعود رحمه الله عام 1947، كيف كان يكتظ بالمصلين، وتملؤه السكينة والروحانية.

الفانوس والجو الروحاني..

وأضاف عجمية إن أحد أبرز الرموز التي لا يمكن نسيانها في رمضان فانوس المسجد، الذي كان يضيء ليالي الشهر الفضيل، لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى القرية بعد، كانت الأجواء مليئة بالهدوء والسكينة، حيث كنا نرى ظلال المصلين تنعكس على الجدران في ضوء الفانوس الخافت، ما كان يضفي على المكان جواً روحانياً خاصاً، وكان لهذا الصوت وقع خاص يختلف عن سائر الأيام، على الرغم من أن المسجد كان على مدار العام يلتقي فيه الناس لأداء الصلاة، وتعلم القرآن، وتبادل القصص التي تبعث في النفوس روح المحبة والألفة.

بعيداً عن ضوضاء الحياة..

وتابع: في تلك الأيام، لم تكن مكبرات الصوت قد انتشرت في المساجد، وكان صوت الشيخ عبد الحق وهو يقرأ القرآن في المسجد، أو صوت المرحوم عبد الباسط عبد الصمد على الأثير هو الصوت الذي يملأ الأجواء، ما أضفى على الشهر الفضيل روحاً خاصة بعيداً عن ضوضاء الحياة الحديثة، كانت الأجواء كلها تتناغم مع روح رمضان، حيث لم يكن هناك مكان آخر للعبادة والتعلم سوى المسجد.

التكافل الاجتماعي..

وفي حديثه عن الطقوس التي كانت تميز رمضان في الماضي، أشار عجمية إلى العادات التي كانت تخلق حالة من التكافل الاجتماعي، حيث كانت العائلات تتجمع وتتناول الطعام معاً، ولم يكن هناك مائدة تقتصر على عائلة واحد، أو يكون على مائدتها صنف واحد، كان الجميع يتبادلون الطعام أو ما ينتجه من زراعته أو منتجاته الحيوانية، مع الجيران والأقارب في روح من المحبة والتعاون، وكان هذا جزءاً من عاداتنا في رمضان.
وأردف قائلاً: المائدة الرمضانية هي انعكاس مباشر لخيرات الأرض ونفسية الفلاح المتواضع والكريم الذي لا يأكل وحيداً أبداً، بل يجد في المشاركة لذة تفوق لذة الطعام نفسه.

أقدس عادات القرى

وأوضح عجمية: قبل رمضان كانت الحاكورة – قطعة الأرض الصغيرة خلف البيت – تتحول إلى مزرعة لضمان الحصول على خضراوات طازجة خلال الشهر الفضيل، وكانت تبدأ “حالة طوارئ” تراثية في البيوت لتجهيز المؤونة اللازمة للشهر الفضيل، “جرش البرغل” والعدس يدوياً، وغربلة القمح وطحنه وتحضير اللبنة والشنكليش، ويسود تفاؤل خاص بلون الطبخة في اليوم الأول، فإما أن تكون “بيضاء” تعتمد على اللبن والقمح (مثل المتبلة – حنطة مع لبن –  أو البرغل باللبن أو الكوسا باللبن) ليكون العام أبيض نقياً ومبشراً بالخير، أو “خضراء” (ورق العنب) استبشاراً بالخصب والرزق الوفير، كما كان من الضروري توفر “نصية الحلاوة”، و”وزنبيلة التمر” لمن يملك القدرة على شرائها، وكان من أقدس عادات القرى توزيع الطعام عن روح الأموات وفي حب الله، بغرض أن يتناول الغرباء، وعابرو السبيل، والفقراء هذا الطعام، حيث يؤمن الفلاح أن “اللقمة في بطن الجائع صدقة ” هي أفضل وسيلة لبر الوالدين الراحلين.
ولفت إلى أن الفلاحين كانوا يعتمدون على الحليب، واللبن، “والدو” (اللبن الرائب) والشاي كمشروبات أساسية وقت السحور والإفطار لبركتها وقيمتها الغذائية.

للأطفال نصيب

ونوه عجمية إلى أن “رمضان” لم يكن للكبار وحدهم، بل كان للأطفال فيه نصيب وافر من المرح والبهجة، حيث كانوا يمارسون صياماً تدريجياً لطيفاً.
ولا أزال أذكر تلك الأغنية لنا نحن الأطفال “رمضان يا حبيب.. شبعنا شاي وحليب” خاصة إذا تواجد الكعك الشامي، وكان هناك وقت للمرح والتسلية بعد قراءة القرآن وتحفيظه للأطفال، ومن أكثر الأشياء الترفيهية التي ارتبطت بشهر رمضان بعد تلك الجلسات الروحية، ذكر قصص ألف ليلة وليلة وحمزة البهلوان وسيف بن ذي يزن وعنترة العبسي..الخ.

روح “رمضان” حاضرة في الذاكرة الجمعية

وتطرق عجمية لغياب بعض تلك الطقوس الرمضانية في الوقت الحالي، كقلة اللمة التي كانت تجمع الأهل والأقارب على مائدة واحدة في أول يوم رمضان، وأصبحت هذه العادات محصورة في المقيمين في نفس المكان، بسبب تغيب البعض للعمل أو للهجرة…الخ، وتعدد المساجد في القرية لتواكب زيادة عدد السكان، والأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وقلة الزراعة والمنتوجات الحيوانية، ولكن رغم كل ذلك لا تزال روح “رمضان” حاضرة في الذاكرة الجمعية بالعطاء الجماعي والتكاتف ولو في حدودها الدنيا.
وختم قائلاً: رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها حياتنا اليومية، تبقى طقوس رمضان رمزاً للخير والتعاون والمشاركة في المجتمعات، سواء كانت في الماضي أو الحاضر، فالشهر الفضيل هو أكثر من مجرد صيام، إنه تجسيد للعطاء المستمر، ويمثل فرصة لإحياء التقاليد التي تزرع الألفة والمحبة بين الجميع.

Leave a Comment
آخر الأخبار