الحرية- حسيبة صالح:
وضعت الهيئة الطلابية في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، بالتعاون مع مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، الطلاب أمام تجربة حيّة بعنوان:
“خريطة الطريق المهنية لطلاب الاقتصاد والتجارة”، محاضرة ألقاها الدكتور محمد الشامي، الخبير المالي والمصرفي الذي راكم خبرة تتجاوز أربعة وعشرين عاماً داخل سوريا وخارجها، ليقدّم زبدة تجربته في قاعة مدرج المؤتمرات بجامعة دمشق.
اختصاراً للطريق
بدأ الدكتور الشامي محاضرته قائلاً: “اخترت موضوع خريطة الطريق المهنية لأنني عايشت شخصياً غياب التوجيه المهني في بداياتي، ودخلت سوق العمل دون خريطة واضحة. تعلّمت بالطريقة الأصعب، وهذا كلّفني سنوات طويلة من التجربة والخطأ، وضياع الكثير من الفرص والجهد والموارد. اليوم، وأنا عائد إلى بلدي، أشعر بمسؤولية أن أقدّم للطلاب ما لم يكن متاحاً لنا، وأن أختصر عليهم هذا الطريق الطويل.”
الشامي: تعلّمت بالطريقة الأصعب وهذا كلّفني سنوات طويلة من التجربة وضياع الفرص والجهد والموارد
متابعاً: “عملي داخل سوريا وخارجها كشف لي الفروقات الحقيقية بين ما ندرسه أكاديميًا وما يطلبه سوق العمل فعليًا. هذه الخبرات المتراكمة كوّنت لدي رؤية واضحة حول المهارات المطلوبة، وكيف يمكن للطالب أن يجهّز نفسه سواء للعمل محليًا أو خارجيًا، وأن يبني مساره المهني بوعي لا بعشوائية.”
غياب التوجيه المبكر
“أبرز التحديات التي واجهتها، يضيف الدكتور الشامي، كانت غياب التوجيه المبكر، والتعامل مع بيئات اقتصادية متغيرة، والانتقال بين أنظمة وأسواق مختلفة.. استفدت من هذه التحديات بتكوين فهم عملي عميق، وأشاركها اليوم مع الطلاب لكيلا يكرروها، وكي يتعلموا كيف يحوّلون التحديات إلى فرص.”

خريطة الطريق المهنية
إنها تصور عملي ومنهجي يربط بين الدراسة الجامعية، واكتساب المهارات، وبناء الخبرة، وصولًا إلى فرص العمل، برأي المحاضر، وهي أن يعرف الطالب ماذا يتعلم، ولماذا، وكيف يستخدمه في مستقبله المهني.
مضيفاً: إلى جانب الأساس الأكاديمي، يحتاج الطالب إلى مهارات تحليل مالي، نماذج مالية ودراسات جدوى، استخدام التكنولوجيا، وتعلّم اللغات العالمية وفي مقدمتها الإنكليزية، إضافة إلى لغات أخرى بحسب السوق، فضلًا عن القدرة على التعلم المستمر والتكيّف.”
الموازنة بين الدراسة والتدريب
الموازنة بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي، وفقاً للدكتور الشامي، تكون باستثمار سنوات الجامعة في التدريب التدريجي، والدورات التطبيقية، وربط المقررات الجامعية بالتطبيق العملي، بدل انتظار التخرج ثم البدء من الصفر.
والنماذج المالية ودراسات الجدوى هي أدوات أساسية تميّز خريج الاقتصاد، وتمنحه القدرة على التحليل واتخاذ القرار، وتفتح أمامه مجالات واسعة في البنوك، الشركات، والاستشارات.”
مردفاً: نعم، فرص العمل تختلف بين الداخل السوري والخارج، لكن الأساس واحد. من يمتلك مهارات قوية ولغات وفهمًا عمليًا، يستطيع العمل في أي سوق. هدفي هو إعداد الطالب ليكون جاهزًا لكلا الخيارين.”
أبرز الأخطاء
يرى الدكتور الشامي أن أبرز الأخطاء التي يقع فيها طلاب الاقتصاد عند التخطيط لمسارهم المهني هو الاعتماد على الشهادة فقط، تأجيل اكتساب المهارات، غياب الرؤية الواضحة، وانتظار الفرص بدل الاستعداد لها، فالمؤسسات الأكاديمية يمكن أن تدعم الطلاب بتعزيز الجانب التطبيقي، ربط التعليم بسوق العمل، استضافة خبرات عملية، وتقديم توجيه مهني مبكر.
مضيفاً: النصيحة الذهبية التي أوجّهها لكل طالب اقتصاد وتجارة اليوم: لا تنتظر التخرج لتبدأ حياتك المهنية. ابدأ من الآن، وتعلّم من أخطاء من سبقك بدل أن تدفع ثمنها بنفسك.”
وفي تصريح لـ “الحرية”، أوضح الدكتور الشامي أن أهمية مثل هذه المحاضرات تكمن في نقل الخبرة الواقعية، وتوضيح الصورة، ومساعدة الطلاب على اتخاذ قرارات مهنية واعية، وخاصة في مرحلة نحن بأمسّ الحاجة فيها إلى بناء الغد.
بناء قدرات الشباب
المسؤول في مؤسسة زيد بن ثابت، زهير قطاش قال لـ”الحرية”: نعتقد في المؤسسة أن بناء الإنسان هو الأساس الذي يجب أن تنطلق منه لبناء الأوطان، لأن البشر أهم من الحجر، لذلك فقد باشرنا بعد التحرير مباشرة للعمل من داخل دمشق في عده قطاعات ومن أهملها بناء قدرات الشباب وتأهيلهم فكرياً ومهاراتياً.
مضيفاً: نقوم بدعم الطلاب والمجتمع بإقامة دورات تدعمهم وترسم لهم بوصلة الطريق، وقد أنهينا مؤخراً ثلاث دورات مهنية تهم الشباب في سوق العمل: دورة تصميم ميكانيكي وتشغيل CNC، دورة تكنولوجيا الخبز والمخبوزات، ودورة التفكير التصميمي. وكذلك بدأنا ببرنامج صناعة المؤثرين، وأنهينا الدورة الأولى منه، إضافة إلى عملنا في المشاريع التعليمية والإغاثية في المخيمات والشمال السوري، وكذلك مناطق دمشق وريفها للمساهمة في تخفيف معاناة السوريين وصولاً للتعافي الاجتماعي والاقتصادي من آثار النظام السابق.
وأشار قطاش إلى أن الانطباعات الأولية للطلاب تبشّر بخير، لأنهم وجدوا ضالّتهم عند الدكتور شامي، وتجلّى ذلك بكثرة الأسئلة عن المواضيع المطروحة، وعن الشهادات التي نصحهم بتحصيلها. إن مثل هذه الفعاليات لها دور كبير في دفع الطلاب للتعلم خارج أسوار الجامعة، لاكتساب مزيد من المعارف التي بدورها ترفع رصيدهم في سوق العمل.
مرآة لمخاوف الطلاب
تقول الطالبة شهد سلس، إحدى الحاضرات: “شعرت أن المحاضرة كانت بمثابة مرآة لمخاوفي. كنت أظن أن الشهادة تكفي، لكن الدكتور الشامي جعلني أرى أن المهارات هي المفتاح الحقيقي. أكثر ما أثر فيّ نصيحته: لا تنتظر التخرج لتبدأ حياتك المهنية. خرجت وأنا مصممة أن أبدأ من الآن، وأن أبحث عن تدريب عملي يوازي دراستي.”
مسؤول شؤون الطلاب في كلية الاقتصاد، محمد حمزة العلبي، علّق قائلاً: “هذه المحاضرة جاءت في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى ربط التعليم بسوق العمل. الطلاب تفاعلوا بكثرة، وطرحوا أسئلة دقيقة حول الشهادات والدورات التي يجب أن يحصلوا عليها. نحن كإدارة نسعى لتعزيز مثل هذه الفعاليات، لأنها تفتح أمام الطلبة أفقًا جديدًا، وتمنحهم ثقة بأنهم قادرون على المنافسة محليًا وخارجيً.
ابدأ الآن
تتجلّى أهمية هذه الفعالية في أنها لم تكن مجرد محاضرة، بل كانت دعوة صريحة للطلاب كي يرسموا مستقبلهم بأيديهم، ويحوّلوا سنوات الجامعة إلى ورشة إعداد حقيقية. بين كلمات الدكتور الشامي، ورؤية المؤسسة، وصوت الطلاب، ارتسمت خريطة طريق جديدة، عنوانها: ابدأ الآن، ولا تنتظر الغد.