الحرية – علي الدندح:
من الملاحظ أننا إزاء كاتب يميل إلى شكل الحكاية، باعتبارها الجدة الكبرى للقصة القصيرة، ولكن بمحراث شاعر يبذر أرض بياضه سرداً فيعود في نهاية الموسم قصائد موزونة في ميزان النبض وخيط الضوء المنبثق من الأمل والذي اختصره على نكهة إهداء صدر به مدونته الأولى التي جاءت تحت عنوان ( عاصفة أنثى )
يأتي عنوان المجموعة – في البدء – “عاصفة أنثى”و كأنه يذكرنا بتسمية العواصف بأسماء نساء، وهو تقليد بدأ تاريخيًا وارتبط بالتقلبات المزاجية، وقد تُستخدم كعبارة مجازية لوصف قوة المرأة العاطفية، مع الإشارة إلى بعض الأعاصير القوية التي حملت أسماء مؤنثة.
ولا يعني الكاتب و المسرحي مصطفى الشحود بتصوير ذلك الواقع – بشقيه الفعلي والتخيلي – تصويرًا تقريرياً مباشراً، بل إنه يهتم بالتعبير عنه إبداعياً وجمالياً من خلال دلالات رمزية ذات شفافية سواء في التعامل مع اللغة بوصفها إنجازاً إبداعياً من جهة، أو التعامل مع العنصر المكاني من جهة ثانية، أو العنصر الزماني من جهة ثالثة. من خلال الشمس التي باتت بلا لون وظل الحرب قبل أنفاس الهروب الأخير وحكاية الصمت والأوراق المهاجرة والترانيم وشعلة السلام عندما تكون بين حربين.. هذه قصائد يا صديقي وليست قصصاً.
ونلامس ميلاً من الكاتب نحو الموروث الشعبي، النابع من البيئة الريفية بوجه خاص، والتراث المعبر عن وجدانها الجمعي بوجه عام. إذ يوظف الأشعار الدفينة في بعض قصصه، كما يستخدم تقنية الراوي في قصص أخرى، ما يدل على توجهه نحو التراث من خلال التعامل مع إحدى التقنيات المأخوذة من التراث العربي، لا سيما من الشكل الملحمي أو الشكل المسرحي. كيف لا و هو المسرحي العتيق الذي خبر رائحة الخشب في أبهاء مسرحه قبل عطر الحبر و الورق قصاً و سرداً.
للراوي وظيفة أو دوران في البنية القصصية، فهو تارة يقص ما حدث وما يحدث مسهما في الأحداث، وتارة أخرى يعلق على الحدث دون أن يسهم في صنعه. ومن ثم، فالراوي يؤدي دوراً مزدوجا في السرد القصصي، ويتأتى ذلك عبر ضفاف اللغة الوصفية. يقول قي قصة حذاء على صخرة: (التفت بنا الطريق.. انزلقت في متاهة الطين.. النساء مشغولات بمهام يومية .. الرجال ينتشرون في أرجاء المخيم .. الأطفال يلعبون بين الصخور .. تلك الآلام التي لم يتمكنوا من التعبير عنها بالكلمات .. حدث الانفجار .. غادرنا ونحن نحمل في قلوبنا الحكاية والحلم..).
هذه التقنية تشكل جسراً يربط بين الأمكنة سواء أكانت مفتوحة أم مغلقة، بادية أم مدينة أم قرية، كما يربط الأزمنة سواء أكانت ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً. وعلى صعيد آخر. فالفعل المضارع يطغى على ما عداه من الأفعال الأخرى، ما يشير إلى حضور اللحظة الآنية، المنسابة عبر تكثيف الإحساس بحركة الزمن الراهن. ونلمس ذلك بشكل جلي في غالبية القصص، وبخاصة في القصة المعنونة “الحدث” التي تطرح رؤية للإحساس بالزمن عبر الصحو والحلم.( الغربة _ الذكريات _ الحرب _ ظل الحرب _ حدود الصمت _ شعلة السلام _ صخرة النجاة )
إذن، فاستخدام الراوي سمة من أبرز سمات هذه المجموعة، جاء عملاً موفقاً من الكاتب في استلهامه لتقنية من القص و السرد النثري، وفي تعامله مع حركة الزمن و انسيابيته إلى الأمام، وكما يقول ” انه ليس مجرد خبر ” همست سارة لنفسها وهي تدفع العجين إلى التنور الساخن. إنه معركة مع الحياة ” كانت كلماتها البسيطة تعبر عن الصراع اليومي الذي يخوضه كل فرد في المخيم، عن تلك المعارك التي يحاولون من خلالها النجاة ). من عاصفة الأنثى التي وثق من خلالها مصطفى الشحود جماليات الوجع و الغربة و الحنين بلغة القص الشعري.
المجموعة القصصية صادرة عن دار العراب للطباعة و النشر بدمشق نهاية العام 2025.