عصب الاقتصاد العالمي على مفترق طرق.. هل تنجو العولمة من صدمة المضائق الثلاثة؟

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

في مشهد يجمع بين خرائط الملاحة البحرية وصخب حسابات الجيوسياسية، تعد المضائق البحرية شرايين الاقتصاد، حيث يعدّ مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي، وباب المندب بوابة قناة السويس التي لا تغفو، ومضيق تايوان قلب ثورة التكنولوجيا وصناعة الرقائق، هي تلك الشرايين، وحين تجتمع هذه الممرات الثلاثة على طاولة التهديد ذاتها، لا يكون السؤال عن أزمة عابرة، بل عن لحظة فاصلة قد تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.

هل نحن على أعتاب صدمة نفطية جديدة؟

في حوار خاص مع الخبيرة الاقتصادية رنا رنجبال، مديرة معهد متوسط للاقتصاد الأسري، تقدم رؤية ثاقبة حول قدرة العالم على استيعاب صدمة ربما تكون الأعنف منذ أزمات السبعينيات، حيث بيّنت أنه في الأسابيع الأولى التي أعقبت المواجهات العسكرية وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، لم تكن الأسواق بحاجة إلى انتظار النتائج لتتفجر، فالمؤشرات الأولية، كما توضح رنجبال، عكست حجم الضرر الاقتصادي العالمي من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، ليس فقط بسبب تراجع حجم الإمدادات، بل نتيجة المخاوف الأوسع من اتساع رقعة الحرب.

 بين هرمز وباب المندب وتايوان.. الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً وجودياً

وتصف الخبيرة المشهد الحالي بأنه تسلل تدريجي لأسعار الخدمات والسلع في ظل خوف متصاعد من التضخم، مؤكدة أن واقع اليوم يكشف عن تشابك مسارين خطيرين: الأول تضخم مرشح للارتفاع، والثاني تباطؤ في النشاط الاقتصادي. وتشدد رنجبال على أن استمرار التوترات الجيوسياسية لوقت طويل سيحوّل هذه الضغوط الاقتصادية إلى “واقع مديد” لا يمكن تجاوزه بسهولة.

أرقام تتكلم

ولم تقف الحكومات مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد، ففي خطوة استباقية، سعت إلى التخفيف من آثار صدمة الطاقة عبر الإفراج عن الاحتياطي الاستراتيجي، وتستشهد رنجبال بقرار وكالة الطاقة الدولية باستخدام 400 مليون برميل من الاحتياطي بشكل إسعافي، وهو ما تصفه بأنه «أكبر رقم قياسي مسجل في تاريخ الوكالة»، متجاوزاً قرار الإفراج عن 182.7 مليون برميل في 2022 عقب الحرب الأوكرانية.

لكن الأرقام، كما توضح الخبيرة، لا تعطي الصورة الكاملة، فهذه البراميل، رغم ضخامتها، لا تعادل سوى قرابة 24 يوماً من التدفقات المعتادة عبر مضيق هرمز التي بلغ متوسطها 20 مليون برميل يومياً في 2025. والأهم أن رنجبال تحذر من أن وصول هذه الكميات إلى الأسواق بالسرعة نفسها التي تصل بها الإمدادات عبر المضيق هو أمر غير واقعي ضمن القيود اللوجستية وسلاسل النقل.

بدائل محدودة في مواجهة عصب الطاقة العالمي

ولم تكن دول الخليج بمنأى عن إدراك هذه المعادلة المعقدة، فبحسب رنجبال، فقد أدركت هذه الدول عبر السنوات الماضية أن مضيق هرمز يمثل شرارة التوتر الاقتصادي الدائم، ما دفعها إلى العمل على إيجاد خطوط أنابيب برية لتجاوز الاختناق الملاحي، وتذكر الخبيرة هنا خط «شرق-غرب» السعودي بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، وخط حبشان – الفجيرة بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل، بالإضافة إلى خط سوميد المصري، ورغم أهمية هذه البدائل، إلا أن رنجبال تؤكد على أنها تبقى محدودة ولا يمكن تعويض الدور المركزي لمضيق هرمز، مشيرة إلى أنها تظل في أفضل الأحوال وسائل تخفيف الصدمات الاقتصادية وليست حلاً جذرياً.

منطقة عالية الخطورة.. كيف تعيد التأمينات تشكيل التجارة العالمية؟

عندما تتحول الممرات المائية إلى مناطق عالية الخطورة في عقود شركات التأمين، فإن تداعيات ذلك تتجاوز بكثير مجرد أرقام تُضاف إلى فواتير الشحن، هنا تؤكد رنجبال على أن استمرار التوترات الجيوسياسية والمخاطر التي تهدد الممرات المائية يؤدي حتماً إلى ارتفاع أقساط التأمين، والتي قد تصل إلى 300%، خاصة مع إدراج المنطقة ضمن تصنيف «منطقة عالية الخطورة».

رنجبال: 400 مليون برميل من الاحتياطي بشكل إسعافي، وهو «أكبر رقم قياسي مسجل في تاريخ الوكالة»، متجاوزاً قرار الإفراج عن 182.7 مليون برميل في 2022 عقب الحرب الأوكرانية

وتوضح الخبيرة أن النتيجة ليست مجرد أرقام إضافية، بل تضاعف النفقات في التوريد العالمي وتكاليف النقل والطاقة، وتشير إلى مؤشرات ملموسة على هذا التحول، حيث رصدت تراجعاً غير مسبوق في حركة الشحن، مع وجود مئات السفن العالقة المحملة بالنفط والغاز، وفي مشهد يعكس واقعية الشركات الكبرى، تؤكد الخبيرة أن هذه الأوضاع دفعت شركات التأمين إلى البحث عن مسارات نقل أخرى بتكلفة أعلى، بل الأكثر من ذلك، ووفق رنجبال وتوقعاتها، أن هناك شركات تعمل على رسم سياساتها التأمينية بعد إلغاء بوالص التأمين الحالية لفرض شروطها بما يتناسب مع حالة المضيق المتبدلة.

مضيق تايوان.. نقطة انقطاع تكنولوجيا العالم؟

وعن شراكة تايوان- الصين بين البراغماتية الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية، توضح رنجبال بأنه ربما يكون مضيق تايوان الأكثر تعقيداً في هذه المعادلة، إذ لا يمر عبره النفط فقط، بل تمر عبره تجارة الرقائق الإلكترونية التي تمثل عصب الاقتصاد الرقمي العالمي، هنا، تقدم الخبيرة رنا رنجبال قراءة مختلفة للواقع، مستندة إلى تطورات عام 2026 الذي أكد للعالم، بحسب تعبيرها، أن النظام التجاري العالمي لا يدار بقانون الكفاءة الاقتصادية فقط، بل هناك قوانين أكثر تعقيداً كالاستقرار الجيوسياسي والتوافق مع الأهداف التكنولوجية والبيئية.

وتكشف الخبيرة عن مفارقة كبيرة، إذ تشير إلى أن الصين وتايوان تجمعهما «شراكة براغماتية اقتصادية»، حيث تعد الصين أهم شريك تجاري لتايوان بحجم تبادل يتجاوز 200 مليون دولار، ما يعني اعتماد سلاسل التوريد الصينية على التكنولوجيا التايوانية، لكن هذه الشراكة، التي تشكل بحسب رنجبال رادعاً اقتصادياً في سلاسل التوريد العالمية، لم تثنِ الشركات التايوانية عن البحث عن شراكات أخرى.

وتوضح رنجبال أن كبرى شركات التوريد العالمية التايوانية بدأت بالفعل بتقليل الاعتماد على الصين وتنويع مواقع الإنتاج نحو الولايات المتحدة والهند وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى نقل المصانع الاستراتيجية والاستثمار في الأسواق العالمية. وتعزو رنجبال هذا التحول الاستباقي إلى المناورات العسكرية الصينية المستمرة والحصار البحري، وهو ما دفع هذه الشركات إلى إعادة رسم سياساتها بعد تحليل واقع التجارة العالمي وتأثيراته على الإمداد العالمي والأسواق.

نهاية العولمة أم ولادة «العولمة الانتقائية»؟

أما فيما يخص إعادة التوطين والتحالفات البديلة في مواجهة هشاشة التسليم في الوقت المحدد، تذهب رنجبال إلى استشراف المستقبل في ظل ما تصفه بـ«الصدمات الاقتصادية المتتالية»، وترى أن هذه الصدمات ستعيد ترتيب التوازنات في العالم، بعيداً عن الانخراط الأعمى والانسياق وراء منظومة العولمة، التي ارتكزت على تقليص القيود التجارية وتوسيع سلاسل التوريد الدولية وخفض التكاليف من خلال التصنيع.

هناك شركات تعمل على رسم سياساتها التأمينية بعد إلغاء بوالص التأمين الحالية لفرض شروطها بما يتناسب مع حالة المضيق المتبدلة

كما تشير رنجبال إلى أن التحولات الأخيرة، وخاصة الجيوسياسية، لم تعد ترى الاعتماد المتبادل قوة، بل أصبح ينظر إليه كنوع من الضعف الاستراتيجي، وبناءً على هذا التحول في النظرة نقف أمام نهاية فعلية للعولمة وبداية رسم خريطة للاقتصاد الدولي مبنية على العولمة الانتقائية. وتوضح رنجبال مفهوم العولمة الانتقائية بأنه نموذج جديد تختار فيه الدول شركاءها بناءً على المصالح الاستراتيجية لا على الانفتاح المطلق. وهنا، تطرح الخبيرة سؤالاً محورياً في تحليلها: هل النظام الاقتصادي العالمي كما عرفناه القائم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي بات هو الآخر مهدداً؟ لتترك الإجابة للأيام القادمة التي ستكشف لنا مصير هذا النظام الذي هيمن على العقود الماضية.

عندما يعيد التاريخ رسم خرائط الاقتصاد

يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق لا يشبه أي مفترق سابق، فما كان يُنظر إليه كإنجاز للعولمة – ترابط الأسواق وسلاسل الإمداد الممتدة – بات اليوم نقطة ضعف تستغلها الجغرافيا السياسية لتفرض شروطها.

وفي مشهد يبدو كأنه يعيد إنتاج أزمات السبعينيات لكن بصيغة أكثر تعقيداً، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب صدمة ثلاثية الأبعاد تضرب الطاقة والتجارة والتكنولوجيا في وقت واحد.

فربما تكون الإجابة كما تراها رنجبال، في تحول جذري نحو عولمة انتقائية تضع المصالح الاستراتيجية فوق منطق الكفاءة الاقتصادية البحت. لكن الأكيد أن الجغرافيا، رغم كل البدائل، ستظل تلعب دورها المحوري، وستظل المضائق الثلاثة شاهدة على لحظة تحول كبرى يعيد فيها الاقتصاد العالمي قراءة قواعده التي ظلت لعقود تسير بلا منازع.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار