الحرية – جواد ديوب:
يقول جبران خليل جبران: “أعطني الناي وغنِّ؛ فالغنا سرّ الوجود/ وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود/ أعطني الناي وغنِّ وانسى داءً ودواء/ إنما الناسُ سطورٌ كُتِبتْ لكن بماء”!
كأن قوله هذا تأكيدٌ واضح على أن العشقَ المتأتّي من سماعِ “الصوتِ الحقيقي”، سماعِ جوهرِ الصوتِ في أنقى درجاته، إنما يكمل دائرة الرؤيا في أرواحنا؛ لدرجةٍ توصلنا بالـ(ما فوق بشري)، بالـ( ما ورائيات)، صوتٌ يذيبنا عشقاً، ويُميتنا كمالاً!
ربما لهذا كانت العلاقة بين الموسيقا والأديان علاقةً وثيقةً وقديمة قِدم الإنسان الأول، وقِدم الحضارات الأولى، ولذلك نجد إحدى أهم المكتشفات الحضارية هي نصٌ موسيقي سوري مدوّن على رقيم مسماري، من موقع أوغاريت/مدينة اللاذقية، منذ حوالي 1400 قبل الميلاد، وفيه تصاحبُ موسيقى “هارمونية” الشعرَ المكتوب خصيصاً لها، حيث تقول الترجمة التقريبية للنص، إنه “نشيدٌ للإله”، كتبه الموسيقي أمورابي، والنص هو:
“سوف آتي بالقرابين إلى العرض الإلهي، سوف أتوب عن خطاياي، أشعر بالارتياح بعد أن قدّمت أضحيتين، لقد أرضيتُ الآلهة، وسوف تكنّ لي الحب في قلبها(…) فلتصِرْ النساءُ العاقراتُ خصيباتٍ، ولتنجبنَ أطفالاً تهبنهنَّ للأب” (عن الملتقى الدولي الثاني للموسيقى الشرقية، دمشق 2011 ).
موسيقا حزننا الخاص!
ارتباط الموسيقا بالأدعية والصلوات ومناشدات الآلهة يذكرني بقول بيتهوفن: “كل من يفهمون موسيقاي يرتفعون عن الدنيا(…)الموسيقى هي المدخل الروحي إلى نطاق المعرفة العليا، تلك التي تفهمُ الإنسانيةَ، والإنسانيةُ لا تفهمها، فكل خلقٍ فني هو شيء مستقل عن الفنان، وأقوى منه، فلا علاقة للعمل الفني بالإنسان، إلا أنه شاهدٌ على العناية الربانية بالإنسان.”
وأفكر بمشهدٍ نسمع فيه صوت النواح والندب، أفلا يوصلنا البكاءُ لحظتها بالمطلق، بالغيبيّ والكامن في أعماقنا كأنه الأبد؟
وربما من ذاك الحزن المغرق في قِدَمه، أتت موسيقا مثل “نينوى” محمولةً بشكل أساسي على نفخات نايات كأنها نهداتُ أرواحٍ تبكي مصيرَها، كأنها زفراتٌ لأجساد فانية.
وإن كان الألم تجربةً لاكتشاف معنى وجودنا، أليست الموسيقا، الحزينة على وجه التحديد، هي أيضاً تجربةٌ وجودية في اكتشاف ذواتنا؟ ألا تجعلنا الموسيقا نعيش ألمنا الخاص كأننا نكتشف زمناً خاصاً، قطعةً من عمر الكون وكأنها أبدية لانهائية مسكوبة في الأنغام؟
في فيلم (shine) للمثل جيفري رش ( Geoffrey Rush) عن عازف البيانو الأسترالي المعجزة (ديفد هيلفغوت) والذي قاده شغفُه بالموسيقا إلى الجنون، في مشهد اندمجت فيه نبضات قلبه بنقرات أصابعه على مفاتيح البيانو كأنهما روحٌ واحدة، وجسدٌ واحد، في ذاك الفيلم يقول له والده العنيف: “أنت تعلم يا بني، إن الحياة قاسية، لكن الموسيقا ستكون صديقك الأبدي الذي لن يخذلك أبداً”
نعم، ربما يخذلنا الأصدقاء والأحبة وتخذلنا الأيام، لكن ستبقى لنا الموسيقا، نواحنا المغرق في قدمه كحزننا.
وقد قالت لي والدتي يوماً: “مَنْ لم يتألم، لم يعرف الموسيقا على حقيقتها! لا أحد يعرف عمق الموسيقا إلا الحزين الذي يشبه غناؤه صوتاً قادماً من مغارات قديمة.”
معجزة الموسيقا الشافية!
وصف علماءُ وفلاسفةُ الطب القدماء كالكندي والفارابي وابن سينا والرازي الموسيقا بكل ألوانها النغمية (النغم الفرِح والحزين، النغم اليائس الشاكي، وحتى الحِداء الذي قاربته البحور الشعرية العربية في إيقاعاتها وأوزانها، وكذلك صوت النقر على الدفوف) كعلاجٍ لكثير من أمراض النفس والجسد معاً.
لقد عرفوا عبر تجاربهم ما يُعدُّ في علوم اليوم معجزةً علميةً، اكتشفها علماء عدّة ومنهم الياباني (ماسارو إيموتو) عبر تحاليل مخبرية دقيقة، وباستخدام كاميرات عالية الدقة وفائقة السرعة، ثم أصدر نتائجها في كتابه “رسائل الماء”.
فجسد الإنسان يتكون من 65% ماء، وكل الاهتزازات الصوتية تؤثر على حركة الماء في الجسد، وعلى انسيابه في العروق، لذلك اخترع العالم الياباني تقنية تجميد الماء في زجاجات يُعرِّض كل واحدة منها لنوع معين من الموسيقا، واكتشف أن أشكال الفلزات المتجمدة في الزجاجات التي عرضها لموسيقا هادئة ومريحة قد اتخذت تشكيلات نجمية وشعاعية غاية في التناسق والجمال، في حين اتخذت تلك الجزيئات المائية التي عرّضها لموسيقا صاخبة وعنيفة وحتى موسيقا حزينة، تشكيلات معقّدة ومشوّشة وغير منتظمة.
بل ذهب في تجربته أبعد من ذلك، إذ يؤكّد أن الماء يتفاعل بشكل دقيق وحسّاس مع أفكارنا وكلامنا، فحين نوجّه كلاماً لطيفاً وجميلاً أو نقرأ على “زجاجة الماء” كلاماً شِعراً، فإن جزيئات الماء تتخذ شكل بلورات بتصاميم هندسية وألوان مدهشة الجمال، في حين تتخذ الجزئيات المائية أشكالاً مشوَّهة، ناقصة وبألوان باهتة، عندما نوجه لها كلاماً قاسياً أو تعنيفاً و شتائم.
ويقول مستخلصاً: “إن الماء في جسد الإنسان يتأثر بالموسيقا بالضبط كالماء في زجاجات التجربة، وهذا ما يفسّر كيف أن للموسيقا دور المهدّئ لحركة الروح في الجسد”.
القوة الناعمة!
وكما للموسيقا، فإن للصوت الجميل والكلام الناعم اللطيف تأثيراً حتى على المادة الصلبة، نجد مثالاً عليه تجربةً قام بها علماء صينيون، على طبقين من الأرز المطبوخ، حيث وضعوا الصحن الأول في غرفة وتجمعوا حوله موجهين للأرزّ الموجود فيه كلمات ناعمة ولطيفة، كما يلي: “أوووه ما أطيبك/ ما أحلاك/ ما أشهى مذاقك/ ما أجمل لونك الأبيض، إن رائحتك مثيرة للشهية ونحن سعيدين بطعمك…”،
لكنهم وضعوا الصحن الثاني المملوء من الأرزّ المطبوخ نفسه في غرفة مجاورة وتحلق بعضهم الآخر حول الصحن وأسمعوه كلاماً مزعجاً من قبيل: “ما أبشعك/ ما أبشع رائحتك/ أنت أرز عفِن/ إنك ذو طعم فاسد، ولونك أغبر، غير جميل…”!
وقد كانت النتيجة مذهلة ومحيّرة حقاً، فقد بقي الأرزّ في الصحن الأول، بعد ثلاثة أيام من الاختبار، صالحاً للأكل، في حين فسد وتعقّن الأرز في الصحن الثاني، وأصبح غير قابل للأكل!
الموسيقا تؤلفُ بين القلوب!
ليس للموسيقا إذاً قدرة الشفاء من أمراض الجسد فقط، بل والتأثير بقوتها الناعمة على موجودات الكون الفيزيائية والمادية، بل هي تلك الصلة السحرية والسرّية بين آلاف الأرواح التي ترقص على إيقاعاتها، وتندمج في النغم المتدفق بين الخلايا، ربما لذلك نرى القدرة الهائلة للموسيقا في الجمع والمؤالفة بين قلوب الناس، بل بين أناسٍ فرّقتهم القناعات السياسية والعقائدية أو العادات البيئية والاجتماعية.
اللوحتان للفنان التشكيلي الراحل بسام الجبيلي..