الحرية – مها سلطان:
غالباً ما يتم التركيز على روسيا عندما يتم تناول شكل العلاقات الخارجية لسوريا الجديدة مع حلفاء النظام السابق، ولكن ماذا عن الصين؟.. كانت الصين مع روسيا وإيران أبرز الحلفاء للنظام السابق حتى أيامه الأخيرة، صحيح أن هذه الأيام الأخيرة شهدت إدباراً ظاهراً للحلفاء الثلاثة بعد التأكد من حتمية سقوطه إلا أن هذا لا يغير من حقيقة الأدوار التي لعبتها في دعم النظام السابق وإدامة حكمه وسطوته.
وعلى قاعدة أنه في السياسة لا عدو دائم ولا صديق دائم، وأن المصالح هي من يحكم ويحسم، سعت كل من روسيا والصين (إيران خارج المسار كلياً) إلى إعادة تدوير علاقتهما مع سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. ورغم أن روسيا تبدو- ظاهرياً- قد قطعت خطوات واسعة في هذا المسار، إلا أن الصين أوفر حظاً، أو لنقل أكثر أهمية لسوريا الجديدة من روسيا.. لماذا؟
سؤال طرحته «بي بي سي» البريطانية اليوم الأربعاء في تقرير مطول، وسعت لتقديم إجابات له، تحت عنوان هو بصيغة سؤال أيضاً أرادت من خلاله التركيز على أن لسوريا مصلحة كبيرة في بناء علاقة جيدة مع الصين، خصوصاً على المستوى الاقتصادي.. تماماً كما للصين مصلحة مماثلة في عدم خسارة سوريا، وإن كانت حتى الآن تفضل الانتظار لبعض الوقت قبل توسيع دائرة الاتصالات مع سوريا. هذا عائد – ربما – إلى وضعية «على كف عفريت» التي تستقر فيها المنطقة في ظل التهديدات الأميركية بضربة وشيكة لإيران، هذا من جهة.. وما تخططه واشنطن للمنطقة من جهة أخرى.
– تعقيد من نوع خاص
تحت عنوان: هل يمكن للسلطة الجديدة في سوريا إعادة ترتيب العلاقات مع بكين؟.. قالت «بي بي سي»: بعد ثلاثة أشهر تقريباً من الإطاحة بالرئيس ببشار الأسد، أجرت بكين أول اتصال لها مع القيادة السورية، ثمّ بعد أسابيع عديدة من الصمت، التقى السفير الصيني في دمشق بالرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين كبار آخرين في القصر الرئاسي.. ولم يُكشف علناً ما تمت مناقشته بين الجانبين، ما يترك مستقبل مسار العلاقات غامضاً.
وتتحدث «بي بي سي» عن التحديات التي تواجهها القيادة السورية الجديدة، وهي على مستويين: الأول إعادة بناء ما دمرته الحرب. والثاني إدارة العلاقات الخارجية خصوصاً مع القوى الدولية التي تملك نفوذاً في سوريا، وعلى سوريا، بسبب التحالفات السابقة من جهة، وبسبب العقوبات من جهة ثانية.
وبخصوص الصين، تقول “بي بي سي” إن العلاقة بين سوريا الجديدة والصين «تتسم بتعقيد من نوع خاص، إذ دعمت بكين باستمرار نظام الأسد سياساً على الرغم من وحشية حكمه». مع ذلك ترى “بي بي سي” أن الوجود الاقتصادي لبكين من المرجح أن يكون عميقاً في سوريا الجديدة، مدللة على ذلك بتواجدها الاقتصادي في إدلب خلال السنوات الأخيرة. وتقول: رغم أن الصين لم تعترف رسمياً بأي شكل من أشكال حكم المعارضين في إدلب قبل سقوط الأسد، إلا أن ذلك لم يمنع الشركات الصينية – والعديد منها خاصة – من الاستفادة من الطلب العالي في تلك المنطقة على سلعها ذات الأسعار المعقولة.. ولم يمنع تجار القطاع الخاص في إدلب من النظر إلى الصين كمصدر للسلع المعقولة المناسبة لتلك المنطقة التي عانت من نقص السيولة.
– نموذج إدلب
وتعرض “بي بي سي” لبيانات جمعتها وكالة «ريتش» للأبحاث، والتي تشير إلى أن الصين في عام 2022 كانت المصدر الخارجي الرئيسي لـ 10 من أصل 17 عنصراً أساسياً ضرورياً لتوفير المأوى في إدلب.
ووجدت المنتجات الرخيصة من الصين سوقاً جاهزاً تمثل في اقتصاد إدلب خلال الحرب. ومع انتقال الصين إلى التصنيع المتقدم في السنوات الأخيرة، فإن منتجاتها الأكثر تطوراً لبّت العديد من الاحتياجات الملحة في المنطقة.
وتضيف: دفعت الهجمات على البنية التحتية للمياه الكثير من سكان إدلب إلى الاعتماد على المياه المعبأة، مشيرة إلى أن تصفية مياه «الكوثر»– وهي علامة تجارية محلية بارزة – تتم تعبئتها في إدلب على خط إنتاج تم شحنه من الصين. وهناك ألواح الطاقة الشمسية الصينية المنتشرة تقريباً في كل بيت ومصنع ومتجر.
وبفضل التوريدات الصينية تحولت إدلب – التي كانت تعتبر سابقاً منطقة نائية إلى حد ما- وُجهة للسوريين من مناطق عدة كانت تحت سيطرة النظام السابق، لشراء كل شيء، بدءاً من الأدوات المنزلية وصولاً إلى المعدات الصناعية، ومعظمها صيني الصنع.
ومن المرجح أن تزدهر نشاطات العديد من التجار الذين لديهم روابط مع الموردين الصينيين في سوريا الجديدة، إذ ينشر العديد منهم على وسائل التواصل الاجتماعي حول كيفية مساهمة أعمالهم في إعادة الإعمار في البلاد.
أيضاً، كان لدى إدلب شبكة اتصالات محلية خاصة هي «سيريافون» تغطي إدلب والعديد من المدن المحيطة، وقد اعتمدت على مكونات صنعتها الشركات الصينية.
– العقبة الكبرى
وتتابع «بي بي سي»: تحتاج سوريا بشكل كبير إلى إعادة بناء المرافق العامة والبنية التحتية، وهي مهمة تتطلب استثمارات ومعرفة فنية واستعداداً للمخاطرة أكبر مما هو الحال مع بيع السلع للمنازل والمتاجر والمصانع بشكل فردي.. «والصينيون ماهرون جداً، ويمكنهم إنجاز الأعمال بسرعة كبيرة».
وتضيف: حتى الآن، يبدو أن الحكومة الجديدة في سوريا تحاول وضع العلاقات على أساس جديد. فبعد سقوط الأسد، رفعت السفارة السورية في بكين بسرعة العلم الجديد، وأصدرت بياناً يحتفل بالإطاحة به، دون ذكر الدعم الدبلوماسي الصيني لحكمه، وأضاف البيان: نؤكد أننا نعتمد على الدور الصيني في إزالة العقوبات الظالمة على سوريا، ولاحقاً في مهمة إعادة الإعمار (كما أوردت بي بي سي).
لكن «العقبة الكبرى» في مسار بناء علاقات جديدة- كما تقول بي بي سي- تتمثل في مشاركة «الإيغور» في الدولة السورية الجديدة وتعيينهم في مناصب عسكرية.. وفي بيان صدر في 18 شباط الماضي، قالت وزارة الخارجية الصينية إن لديها «تحفظات جدية» بشأن رفع العقوبات الدولية، مطالبة القيادة السورية الجديدة باتخاذ إجراءات حازمة.
وتنقل “بي بي سي” عن محللين ومراقبين أن تسوية قضية الإيغور هي شرط أساسي تضعه الصين فيما يخص العلاقات الثنائية من جهة، والمساهمة في إعادة البناء والإعمار من جهة ثانية.
– البراغماتية الصينية
لكن “بي بي سي” تشير بالمقابل إلى نموذج «طالبان/ أفغانستان» حيث يتواجد الإيغور أيضاً، وحيث إن حركة طالبان قامت بتسوية المسألة عبر وعود قدمتها للصين تضمنت ألا تتحول أفغانستان إلى منصة لاستهداف المصالح الصينية، وتقول “بي بي سي” إن السلطات السورية الجديدة تتخذ نهجاً براغماتياً في التعاطي مع القضايا الحساسة، وفي قضية الإيغور فإن السلطات السورية تطرح مقابلها مسألة الدعم الذي قدمته الصين لنظام الأسد، فإذا كانت البراغماتية تقتضي تجاوز هذا الدعم فإن الصين بالمقابل يمكن أن تقبل بتسوية مشابهة للايغور على غرار ما تم مع طالبان أفغانستان.
وتختم «بي بي سي» نقلاً عن محللين دوليين بارزين: إن الصينيين سيكونون «براغماتيين للغاية» فيما يخص تدوير العلاقات مع سوريا الجديدة.