الحرية- جواد ديوب:
هم ليسوا فقط بائعي سلع وبضائع.. هم حياة كاملة تمشي وتجوب الشوارع.. حكاياتٌ شخصية مرسومة بعرق الجبين وانحناءة الكتفين وتقوس الظهر ووجع المفاصل والكثير الكثير من الحشرجات المخنوقة والصرخات المكتومة تحت ثقل الحاجة ومرارة العيش عند بائعين من كبار السن وأطفال صغار ونساءٍ أجبرتهنّ ضغوط الحياة وخيبات الحرب ومآسيها إلى أن يفترشن الأرصفة وزوايا الطرقات والحارات بدل أن يفرشن سجادات البيوت الهانئة ويكنسن الحزن عن جدرانها.
البياعون في الأغاني
الرحابنة عرفوا كيف يمزجون حياةَ الناس ويلونون بها قماشةَ مسرحياتهم.. هكذا نجد فيروز بشخصية “بياعة البندورة” في مسرحية “الشخص” تؤدي الدور من دون اسمٍ للشخصية، كأن “الصفة/ بياعة بندورة” صارت لصيقة بالشخصية لدرجة أنها تحولت إلى اسم لها، وهكذا تغني:

“انا بياعة وبدي عيش.. أهلي فقرا ودراويش.. ويا شاويش شوي شوي ع مهلك عالعربية يا شاويش خطيّ…”
أما الصبوحة الشحرورة فكانت أكثر تفاؤلاً ومرحاً كما هي محاولاتها المستمرة، مرةً للضحك في وجه الحياة وجمود العَبوسين ونكاية بالنكديين؛ فنسمعها تغنّي: قالولي الحب بينباع وفي منو عند البياع.. رحت سألت البياعين، قالولي حبّ الحلوين لا بينشرى ولا بينباع”.
ومرة تغني للحب بقالبِ حكاية عن بياعة ريفية تنزل إلى المدينة فيغريها شابٌ مغوٍ ويجعلها تنسى شباب قريتها.. لكنها تعود نادمةً على تسرعها وتصديقها لألعاب شباب المدن. تغني الشحرورة:
“عالضيعة يمّا عالضيعة.. وديني وبلاها البيعة.. جينا نبيع كبوش التوت.. ضيعنا القلب ببيروت.. يا شماتة شباب الضيعة.. عالضيعة يما عالضيعة”.
في الفوتوغرافيا:
المتأمل لأرشيف المصور جورج عَشّي سيرى -سواء في تموجات صور الأبيض والأسود أو في تلك الشرائط الفيلمية الملونة- كيف التقطَ بحساسيته كفنان تشكيلي أيضاً روحَ الأمكنة والشوارع في مدينة عتيقة مثل دمشق عبر التقاطه تلك الأرواح الهائمة على شكل بياعين جوالين أو ثابتين في المكان مثقلين ببضائعهم. (صورة بائع الترمس، صورة بائع الفلافل، وصورة بائعة الملفوف).
من منظور العدسة!
الصور الفوتوغرافية بما تختزنه من مشاهد سينمائية توقّفَ عندها الزمن وبقي صدى بكرة الفيلم في خيال المُشاهِد.. تركت آثارها في روحي وجعلتني أحاول أنا أيضاً أن أشاهد الحياة من منظور العدسة.. كأن تثبيت اللحظة الراهنة ضمن إطار يمنحها ليس فقط وهم الخلود إنما شيئاً أكثر بساطة، أي متعة أن ترى نفسك (أن يرى الآخرون أنفسهم) كأننا شخصيات في حكاية!
لذلك في صوري (بائع البوالين وبائعو علب الشاي وغيرها) كانت تلفتني في المشهد تلك المفارقات: هرمٌ من علب الشاي يوازيه في العمق هرمٌ حداثته مصطنعة على شكل فندق. الطفلان في أسفل الهرم الاجتماعي الطبقي؛ فيما هناك على مسافة قريبة أناسٌ يتناولون فطورهم في “مطعم أم شريف” ويشاهدون هؤلاء الباعة من خلف الزجاج مثل من يتفرج على حوض أسماك!
لكن لبعض البياعين، رغم تعب العمل، روحُ دعابةٍ مصريةِ الجينات أو لهم خفة دم المصريين، يتحايلون بها على “تعتيرهم”، هكذا كتب أحدهم على عربته الخشبية الملونة جملةً من أغنية لأم كلثوم لكن بتحوير لطيف: “ما خطرتش على بالك يوم تفطر عندي”.. في لفتةِ تسويق ذكية تفتح الشهية حتى لو كانت جيوبُ الزبائن مثقوبةً بالفقر!

في الفن التشكيلي:
عوالمُ الباعة الدمشقيين ودكاكينهم أو “بسطاتهم” وأصواتهم وهم يروّجون لبضائعهم مع كل ما يجذب ويلفت ويرغّب ويفرح الزبائن.. شغلت فكر وأحلام الفنان خلدون شيشكلي إلى حدٍّ جعله يؤلف كتاباً كاملاً عنهم بعنوان “دكاكين وبياعين زمان” يتضمن عشرات من لوحاته المشغولة بتقنية الحفر على المعدن ثم تتم طباعة اللوحة المعدنية المدهونة باللون على قماشات أو أطباق كرتونية.. يمكن للمشاهد الاستغراق في تفاصيلها الشعبية والخطوط المكتوبة بشكل فطري على حوافها كأنما البائع البسيط هو من كتبها بنفسه وليس الفنانُ الحفّار.
ففي لوحة بياع العرقسوس سنفرح بعبارات مثل:
“انا بياع العرقسوس اطيب مشروبات الصيف
وعِرق السوس عِرق من الأرض كلو فوائد
بيروي القلب وبيشفي العليل وبيروّق الدم
وبينعش النفس.. بشهر رمضان بيشربوه الغني والطفران…”
وفي لوحة بيّاع العوامة والمشبّك سنشعر بحلاوة السُكّر المقطّر ونحن نقرأ باللهجة الشاميّة:
“أنا بياع العوامة والمشبّك والأصابع.. أنا حلواني الفقير وحلوياتي شعبية بالزيت مقليّة.. مغطّسة بالقطر وفيه بتعصر عصر.. أكلاتي طيبة وشهية بالمسا والعصريّة.. وقَلي العوامة كلو شطارة.. بقطّع العجين وبرميه مدوّر بالمقلاية.. شغلو متل السحر والحكاية”!
تعاطفٌ على شكل لوحة!
أما الراحل لؤي كيالي تنوعت رؤيته اللونية لعالم البائعين البسطاء بين لوحات صوّرها بالخطوط والألوان الترابية الباهتة والسطوح الخشنة.. التقط فيها اللحظة الإنسانية المجروحة بحزنٍ عميق، رسمَ قهراً ودمعاً مكبوتاً وأملاً مكسوراً في عيون البياعين، وبين لوحات افترشت فيها الألوان مساحة كبيرة من اللوحة كأنما في تضاد مع اللحظة الإنسانية أو الحالة الشعورية للطفل البائع أو كأنما لينقل لنا كيالي تعاطفه العميق معهم عبر تلوينِ ذاك القهر الواقعي المتجسد أمامه على شكل طفل يبيع في الشارع!.