الحرية ـ سامر اللمع:
في نطاق جيوسياسي تتقاطع فيه السياسة والعسكرة والأمن والاقتصاد، تتبلور أبعاد الصراع الدائر حالياً على جزيرة غرينلاند، أكبر جزر العالم والواقعة قرب القطب الشمالي.
فالتصعيد الأميركي حول غرينلاند لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي أو سجال سياسي عابر، بل يتكشف تدريجياً بوصفه صراعاً اقتصادياً – جيواستراتيجياً عميقاً، تقوده ثروات الجزيرة الكامنة تحت الجليد، والتحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، ولاسيما سباق التحول الأخضر وسلاسل توريد المواد الخام الحيوية. وفي قلب هذا المشهد، تتداخل اعتبارات الأمن القومي الأميركي مع مصالح دوائر مالية واقتصادية قريبة من الإدارة الأمريكية، في نموذج يعكس تآكل الحدود بين السياسة ورأس المال.
صراع متعدد الأطراف
يبدو الصراع الدائر حول جزيرة غرينلاند الواقعة تحت سلطة حكم الدانمارك والتي تتمع بحكم ذاتي واسع، صراعاً متعدد الجوانب والأطراف، فمن ناحية الأمن القومي الأمريكي، لا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مخاوفه من السيطرة الروسية ـ الصينية المحتملة على منطقة ذات أهمية أمنية قريبة من الولايات المتحدة الأمريكية. حيث صعّد الرئيس ترامب من تهديداته بالاستيلاء على الجزيرة القطبية إما بالقوة أو عبر اتفاق، مشيراً إلى أن أوروبا لم تُدافع بشكل كافٍ عن هذه المنطقة الإستراتيجية التي يرى أنها مطمع للصين وروسيا.
وردت الخارجية الصينية على تصريحات ترامب بالقول إنه “على واشنطن الكف عن استخدام الصين كذريعة لتحقيق مصالحها في غرينلاند”.
من جهة أخرى، يتجلى الجانب الاقتصادي للصراع على غرينلاند بين سكان الجزيرة البالغ عددهم أقل من 57 ألف نسمة ومن خلفهم الحكومة الدنماركية بمساندة العديد من دول أوروبا، وبين الحكومة الأمريكية.
وتصاعد التوتر بعد تلويح ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية، بينها الدانمارك وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إذا لم توافق على صفقة بشأن غرينلاند. ورغم أن الفكرة لم تكن مطروحة بشكل رسمي في البداية، فإنها تحولت لاحقاً إلى تهديد محدد بمواعيد زمنية.
وقال ترامب إنه اعتباراً من الأول من شباط المقبل، ستواجه الدانمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا تعريفة جمركية بنسبة 10%، والتي سترتفع إلى 25% في الأول من حزيران، “حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل”.
في المقابل، هدد الاتحاد الأوروبي بشن حرب تجارية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث صرّح مصدر دبلوماسي أوروبي لصحيفة تلغراف البريطانية بأن الاتحاد الأوروبي يستعد لفرض رسوم جمركية بقيمة 93 مليار يورو على الصادرات الأميركية إلى الاتحاد.
وإلى جانب 7 أعضاء في حلف “ناتو”، حذرت بريطانيا – الأحد الماضي- من أن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية يُنذر بـ”تدهور خطير” في العلاقات عبر الأطلسي.
وقد يدفع كل ما يجري الاتحاد الأوروبي إلى تقييد أعمال شركات التكنولوجيا الأميركية، التي تدفع ضرائب زهيدة مقابل العمل في القارة الأوروبية رغم تحقيقها أرباحا طائلة.
دافوس وفائض القوة الأمريكية
تتجه الأنظار، اليوم الثلاثاء، إلى منتجع دافوس السويسري الذي سيشهد انطلاق البرنامج الرسمي للمنتدى الاقتصادي العالمي، فيما سيخصص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هامشاً من المنتدى لفتح ملف غرينلاند الذي فجّر الجدل بين الولايات المتحدة وأوروبا بشكل خاص. حيث أعلن أنه سينظم اجتماعاً غداً الأربعاء حول غرينلاند مع “مختلف الأطراف”.
وفي إشارة بالغة حول فائض القوة العسكرية الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي في منشور على منصته “تروث سوشيال”: “الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم بفارق كبير. إننا القوة الوحيدة القادرة على ضمان السلام في العالم، وهذا يتحقق ببساطة من خلال القوة”.
وأضاف: “مثلما سبق وقلت للجميع بوضوح شديد، غرينلاد ضرورة حيوية للأمن القومي والعالمي. لا رجوع إلى الوراء، والكل موافق على ذلك”.
وكان ترامب أكد أمس الإثنين أن القادة الأوروبيين لن “يتصدوا بشدة” لمحاولته شراء غرينلاند.
لماذا غرينلاند؟
يبدو السؤال المطروح حول أسباب الاهتمام الأمريكي لضم غرينلاند سؤالاً منطقياً يبحث عن إجابة.
تشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الدنماركية، أن الجزيرة القطبية تحتوي على مخزون كبير من المواد الخام الحيوية، مثل الغرافيت، والنيوبيوم، والموليبدينوم، والتيتانيوم، إضافة إلى اليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي تُعد ركائز أساسية لصناعات المستقبل: بطاريات السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، تخزين الطاقة، والتقنيات الدفاعية المتقدمة. هذه الموارد لم تعد مجرد سلع صناعية، بل تحوّلت إلى عناصر سيادية في الاقتصاد العالمي. فالتحول الأخضر يتطلب كميات من المواد الخام تفوق بأضعاف ما يستهلكه العالم اليوم، في وقت تهيمن فيه الصين على ما يصل إلى 70% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالمياً.
ومن هذا المنطلق، تبدو غرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة فرصة إستراتيجية لتقليص الاعتماد على الصين، وإعادة توزيع النفوذ في أسواق المواد الخام.
ولا يقتصر التحول على باطن الأرض، فالذوبان السريع للجليد في منطقة القطب الشمالي، فتح ممرات شحن بحرية كانت مغلقة لعقود، ووفق دراسات أكاديمية، ارتفعت حركة الشحن في مياه القطب الشمالي بنسبة 25% بين عامي 2013 و2019. هذه الطرق تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا، وتمنح من يسيطر عليها أفضلية تجارية ولوجستية هائلة. غير أن هذا البعد الاقتصادي يرتبط مباشرة بالأمن. فروسيا كثّفت وجودها العسكري على طول الممرات القطبية، فيما ترى واشنطن أن السيطرة أو النفوذ في غرينلاند تضمن لها موقعاً متقدماً في الاقتصاد القطبي الناشئ، حيث تختلط التجارة بالطاقة والدفاع.
باختصار؛ يمكن تلخيص النظرة الأمريكية إلى غرينلاند على أنها مكسب جيوسياسي يمكن أن يحقق المزيد من السيطرة على مكامن الثروات والمعادن الثمينة وعلى طرق التجارة الناشئة في منطقة القطب الشمالي بما تمثله كأصل إستراتيجي طويل الأمد: أرض غنية بالمعادن النادرة وموقع مثالي للبنية التحتية العسكرية واللوجستية وعقدة محتملة في تجارة القطب الشمالي وفرصة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي.