الحرية – نهلة أبو تك:
في بلد يمتلك هذا التنوع في الموارد، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لماذا لا تتحول هذه الوفرة إلى اقتصاد فعلي؟ ولماذا تبقى القيمة الاقتصادية خارج الحدود، فيما تبقى الموارد داخلها؟

في الاقتصاد الحديث، لم تعد الثروة تُقاس بما تنتجه الأرض أو يُستخرج من باطنها، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه المواد إلى قيمة مضافة داخل سلاسل إنتاج متكاملة. هنا فقط يبدأ الاقتصاد الحقيقي، وهنا فقط تتحدد قوة الدول في الأسواق العالمية.
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد زياد يحيى في تصريح لـ”الحرية” أن جوهر الأزمة لا يتعلق بندرة الموارد، بل بغياب المسار الاقتصادي الذي يحول هذه الموارد إلى قيمة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني.
ويقول يحيى: سوريا لا تعاني من نقص في الموارد، بل من غياب القدرة على تحويل هذه الموارد إلى سلاسل إنتاج مكتملة. نحن ننتج، لكننا لا نكمل دورة الإنتاج.
بهذه المقاربة، يضع يحيى مفهوم سلسلة القيمة في قلب الإشكالية الاقتصادية، موضحاً أن الثروة لا تتشكل في مراحلها الأولية، بل في حلقات التصنيع والتسويق والتوزيع، حيث تتحول المادة الخام إلى منتج نهائي قادر على المنافسة.
ويضيف: حين تُصدَّر المادة الخام، يُصدَّر معها الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية.
ولإيضاح الفارق، يستشهد بتجربة ماليزيا، التي لم تكتفِ بزراعة زيت النخيل، بل بنت حوله منظومة صناعية متكاملة شملت الغذاء والطاقة والصناعات الكيميائية، ما أدى إلى تضاعف القيمة الاقتصادية للمورد ذاته.
في المقابل، يشير إلى أن العديد من الاقتصادات النامية لا تزال تعتمد على تصدير المواد الأولية دون تصنيع كافٍ، ما يؤدي إلى فقدان القيمة المضافة لصالح الأسواق الخارجية.
ويقول: الفارق ليس في حجم الموارد، بل في القرار الاقتصادي الذي يحدد كيف تُستخدم هذه الموارد.
لكن الأزمة السورية، وفق يحيى، لا تتوقف عند حدود ضعف التصنيع، بل تمتد إلى غياب الهوية الاقتصادية القادرة على تحديد موقع سوريا في الاقتصاد العالمي.
ويضيف: الدول الناجحة تُعرف بمنتج أو قطاع محدد تقوده عالمياً. أما عندما تتوزع الجهود دون رؤية واضحة، فإن الاقتصاد يفقد بوصلته.
ورغم امتلاك سوريا لموارد متنوعة تشمل الزيتون، القطن، الفوسفات، والمنتجات الغذائية، إضافة إلى الصناعات العطرية، إلا أن أياً منها لم يتحول إلى هوية اقتصادية واضحة أو علامة تصديرية مستقرة.
هذا الانقطاع يظهر بوضوح في الواقع الإنتاجي؛ فالزيتون يُصدّر غالباً كمادة خام، والقطن فقد جزءاً كبيراً من ارتباطه بالصناعة النسيجية، فيما يُستخرج الفوسفات دون توظيفه في الصناعات الكيميائية ذات القيمة العالية، وتبقى الصناعات الغذائية محدودة التطور مقارنة بإمكاناتها.
نحن أمام اقتصاد يملك البداية، لكنه لا يصل إلى النهاية، يعلق يحيى.
غير أن المفارقة، كما يشير، أن سوريا امتلكت تاريخياً ملامح واضحة لهوية اقتصادية متكاملة، حتى وإن لم تُصغ بهذا المفهوم الحديث.
ويقول: الريف السوري لم يكن مجرد مساحة إنتاج زراعي، بل كان جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة.
ويضيف موضحاً: تربية دودة القز شكلت أساس إنتاج الحرير الطبيعي، الذي دخل في صناعات نسيجية راقية أبرزها البروكار الدمشقي، وهو منتج فاخر حمل قيمة ثقافية واقتصادية عالية، ووصل إلى الأسواق العالمية.
ويؤكد أن هذه التجربة التاريخية تعكس أن المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في انقطاع سلاسل الإنتاج وعدم استمراريتها.
مضيفاً أن إعادة إحياء هذه النماذج يعني توظيفها ضمن اقتصاد حديث يرتبط بالأسواق العالمية ويعتمد على التكنولوجيا وسلاسل الإنتاج المتكاملة.
وفي المقابل، تظهر بعض المبادرات المحلية التي اتجهت إلى التصنيع الغذائي وتحويل الفائض الزراعي إلى منتجات قابلة للتخزين والتسويق، في محاولة عملية لتجاوز تقلبات السوق.
لكن هذه المبادرات، بحسب يحيى، تبقى محدودة التأثير ما لم تتحول إلى سياسة اقتصادية شاملة، موضحاً أن المشكلة ليست في غياب الاستثمار، بل في غياب توجيهه.
ويضيف: قانون الاستثمار رقم 14 لعام 2025 خطوة مهمة، لكنه لا يكفي ما لم يُربط برؤية تحدد أولويات القطاعات الإنتاجية وتوجه رأس المال نحو سلاسل قيمة متكاملة.
ويختتم الخبير الاقتصادي محمد زياد يحيى تصريحه بالقول: الدول لا تدخل الأسواق بما تملكه من موارد، بل بما تقرر أن تصنع منه قيمة اقتصادية. وسوريا اليوم أمام خيار واضح إما الاستمرار كمصدر للمواد الخام، و إما التحول إلى اقتصاد ينتج قيمته بنفسه.