«فوتوغراف”.. حين يكتب المخرج المهند كلثوم أسئلة الذاكرة بالصورة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- حسيبة صالح:

يضيء المخرج المهند كلثوم فضاء السينما السورية بوهجٍ خاص، حيث تتحول الصورة عنده إلى سؤالٍ مفتوح لا إلى حكايةٍ مغلقة. وفي حديثه لـ”الحرية”، يصف جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان واد نون السينمائي في كلميم جنوب المملكة المغربية بأنها لم تكن تتويجًا بقدر ما كانت لحظة إنصات عميق، محطة تأمل أعادت النظر في الطريق، لا للاحتفال به، بل للاستعداد لما هو أكثر صدقًا وعمقًا في القادم.

يقول كلثوم: إن السينما ليست حكاية تُروى بل سؤال يُترك مفتوحًا، وهو ما جسده فيلمه «فوتوغراف» الذي ترك في وجدان الجمهور أسئلة متعددة تتشكل حسب ذاكرة كل مشاهد: عن الغياب، عمّا يبقى في الصورة بعد أن يختفي أصحابها، وعن إحساسٍ يتجدد كلما استدعينا ذكرى لا نعرف مصدرها. الفيلم لا يسأل “ماذا حدث؟”، بل “ماذا نشعر حين نتذكر؟”، وهو سؤال بلا إجابة نهائية.
عن التحدي الإخراجي في الاعتماد على الصورة أكثر من الحوار، يوضح كلثوم أنه تعامل مع الصورة باعتبارها لغة كاملة، لا بديلاً عن الحوار. كل كادر كان جملة، وكل حركة كاميرا فاصلة، وكل صمت مساحة للتأمل. التحدي لم يكن في تقليل الكلام، بل في جعل الصورة قادرة على أن تُصغي للمشاهد، لا أن تفرض عليه معنى جاهزًا.
أما استقبال الجمهور، فقد كان المغربي دافئًا وحميميًا، يحمل حساسية عالية تجاه الصورة الشعرية، فيما جاء التلقي العربي متنوعًا لكنه التقى عند نقطة مشتركة: الشعور بأن الفيلم يشبه ذاكرة شخصية ما. الاختلاف لم يكن في الفهم، بل في نوع الأسئلة التي طرحها كل جمهور بعد المشاهدة، وهو ما يراه كلثوم ثراءً لا تباينًا.
وعن أثر الفيلم، يقول إنه أراد أن يبقى في ذاكرة المشاهد إحساسٌ داخلي لا مشهد محدد، وأن يغادر القاعة وهو يحمل صورة تخصه وحده. حين ينجح العمل في أن يوقظ ذاكرة لا يعرف صاحبها مصدرها، يشعر أن السينما قامت بدورها.
وفي رؤيته، السينما هي الذاكرة حين تُعاد صياغتها بالحسّ، فالصورة لا تحفظ الحدث فقط، بل تحفظ أثره العاطفي. لذلك يؤمن أن السينما ليست تسجيلًا للزمن، بل إعادة عيش له بكل هشاشته وحنينه وأسئلته المؤجلة.
وعن الثنائية بين الشعرية والواقعية، يرفض كلثوم هذا الفصل، معتبرًا أنه منحاز إلى سينما ترى الواقع بعين شاعر وتكتب الشعر بملمس الواقع، حيث يفرض الموضوع نفسه حين يُقدَّم بصدق. أما اختيار موضوعات أفلامه، فيبدأ غالبًا بصورة عالقة أو إحساس صامت، لتأتي الفكرة لاحقًا كترجمة عقلانية لما بدأ وجدانيًا.
الموسيقى والسينوغرافيا وفق كلثوم ليستا عناصر ثانوية، بل شريكان خفيان في السرد: الموسيقى تهمس للصورة، والسينوغرافيا هي الجسد الذي تتحرك داخله الروح البصرية للفيلم.
وعن حضور السينما السورية في المهرجانات رغم الظروف الصعبة، يراه كلثوم حضورًا قائمًا على الإصرار لا على الوفرة، إذ تحمل السينما السورية اليوم ثقل التجربة الإنسانية أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يجعلها حاضرة ومؤثرة رغم التحديات. الجوائز، كما يقول، اعتراف جزئي لا يختصر التجربة، فهي إشارات ضوء لكنها ليست الطريق نفسه.
ما يميز السينما السورية، في نظره، هو قدرتها على تحويل الألم إلى سؤال إنساني لا إلى خطاب، والبحث عن الإنسان خلف الحدث، وعن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الذاكرة الكبرى.
وعن اختياره السينما كمسار حياة، يوضح كلثوم أنها المساحة الوحيدة التي تجمع الفكر بالحسّ، وأنه يرى نفسه مزيجًا من الباحث عن المعنى والحالم بصورة أكثر عدلًا وصدقًا للعالم. تأثر بتجارب تحترم ذكاء المشاهد وتثق بالصورة كوسيط إنساني عميق، ولا ينسى أثر رائد السينما السورية الراحل نبيل المالح الذي علّمه أن السينما موقف أخلاقي قبل أن تكون تقنية، وأن الصورة حين تكون صادقة تصبح أقوى من أي خطاب.
أما التحديات الإنتاجية، فيتعامل معها بالاقتصاد في الوسائل والثراء في الرؤية، حيث تتحول الإمكانات المحدودة إلى جزء من اللغة لا عائقًا لها. وعن مشروعه القادم بعد «فوتوغراف»، يكشف أنه ما زال في طور التشكل، يحمل روح التأمل ذاتها لكنه يقترب أكثر من الإنسان في لحظة مواجهة مع ذاته، مفضلًا أن يتركه ينضج بهدوء كما تنضج الصور التي تستحق أن تُروى.
تغادر كلمات المخرج المهند كلثوم صفحات الحوار كما تغادر صور أفلامه شاشة العرض، وفي حديثه لجريدة الحرية، بدا واضحًا أن السينما عنده ليست مجرد فن بصري، بل فعل وجداني يوقظ الذاكرة ويعيد صياغة الإنسان في مواجهة ذاته. إنها سينما تبحث عن الصدق في التفاصيل الصغيرة، وتحوّل الألم إلى سؤال إنساني، وتمنح الصورة قدرة على أن تُصغي بدل أن تُعلن. وهكذا، يظل الكلثوم وفيًّا لرؤيته بأن السينما ليست نهاية، بل بداية دائمة لسؤال جديد، يفتح الطريق نحو عمقٍ أكبر وصدقٍ أبقى.

Leave a Comment
آخر الأخبار