الحرية – ميليا اسبر:
تشهد حركة التجارة الخارجية تحولات متسارعة تعكس تغيرات عميقة في بنية السوق، في وقت تكشف فيه تقديرات حديثة فجوات واضحة بين الأرقام الرسمية والواقع الفعلي لحجم الاستيراد والتصدير، هذه المعطيات التي عرضها محمد الحلاق العضو السابق في غرفة تجارة دمشق تسلط الضوء على تحديات تنظيمية واقتصادية تتطلب معالجة تشريعية وضريبية متكاملة لضمان استقرار الأسواق وتعزيز القدرة التنافسية.

تقديرات الاستيراد
وأوضح الحلاق في تصريح لـ” الحرية” أن قيمة المستوردات المسجلة سابقاً بلغت نحو 18 مليار يورو، مقابل صادرات تقارب 3 مليارات دولار عام 2010، مشيراً إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للاستيراد، لأن كثيراً من الفواتير كانت تُسجَّل بقيم أقل بنحو 50% ووفق هذا التقدير فإن الحجم الفعلي للمستوردات آنذاك كان يقارب 40 مليار يورو، وهو رقم تضاعف اليوم، ما يعني أن حركة الاستيراد الحالية يفترض أن تصل إلى نحو 80 مليار يورو
فائض عرض وخسائر للمستوردين
وبيّن الحلاق أن عام 2025 شهد استيراد كميات كبيرة من السلع بعضها يفوق حاجة السوق الأمر الذي أدى إلى خسائر لدى مستوردين، لأن تجاوز العرض نسبة 10% فوق الطلب يُحدث ضغطاً سعرياً فكيف إذا بلغ الفائض 100%؟ ويظهر ذلك بوضوح في سوق السيارات حيث تراجعت الكميات المستوردة تدريجياً بعد موجة دخول كبيرة وانتقل الطلب نحو سيارات أحدث ولكن بكميات أقل، منوهاً بأن هذا المثال ينسحب على سلع أخرى لاسيما المواد الغذائية المعلبة التي تشهد منافسة عالية وانخفاضاً ملحوظاً في الأسعار نتيجة وفرة المعروض.
الحلاق : التوازن الاقتصادي يتطلب منظومة قوانين متناغمة ونظاماً ضريبياً شفافاً
ارتفاع التكاليف يعمّق الأزمة
ورغم انخفاض أسعار بعض السلع شدد الحلاق على أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع تكاليف الإنتاج، ولا سيما تكاليف الطاقة مثل الكهرباء ما يرفع أسعار المنتجات النهائية ويحدّ من القدرة التنافسية، ويرى أن غياب استقرار التشريعات وصعوبة تحديد الكلفة الفعلية والضريبة الحقيقية يدفعان التجار إلى التحوط، وهو ما يخلق تشوهات في السوق.
الحاجة إلى نظام ضريبي واضح
ولفت إلى أن التوازن الاقتصادي يتطلب منظومة قوانين متناغمة ونظاماً ضريبياً شفافاً يحدد الالتزامات بدقة، متوقعاً صدور مثل هذا النظام قريباً، منوهاً بأن استمرار التهريب واتساع اقتصاد الظل يعرقلان استقرار السوق ويؤثران في الإيرادات العامة وأرباح القطاع الخاص معاً.
الصادرات محدودة
أما على صعيد التصدير كشف الحلاق أنه ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات الزراعية وما يرتبط بها من صناعات غذائية مثل المربيات والمعلبات، في حين تبقى قطاعات مثل الصناعات الكهربائية والنسيجية والجلدية خارج المنافسة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بدول أخرى، مؤكداً أن تقلبات سعر الصرف تمثل تحدياً قائماً إلا أن الاستقرار النسبي يخفف من الصدمات السعرية، لكنه حذر من أن شح السيولة في السوق يحدّ من حجم النشاط الاقتصادي ويؤدي إلى انخفاض الإنتاج والتوظيف، إضافة إلى تراجع إيرادات الجمارك والمالية.
تجاوز لبعض الثغرات القديمة
وأشار الحلاق إلى أن ما جرى حتى الآن ليس إصدار قوانين جديدة بقدر ما هو تجاوز لبعض الثغرات القديمة، معتبراً أن السماح باستخدام الدولار خطوة إيجابية لقطاع الأعمال، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة تعزيز دور العملة المحلية عبر التعامل المصرفي الرسمي وتوسيع الدفع الإلكتروني، بما يحد من التخزين النقدي خارج النظام المصرفي.
وختم الحلاق بالقول: إن المشهد التجاري يقف عند مفترق طرق بين وفرة الاستيراد وضعف التصدير وارتفاع التكاليف فيما يبقى الحل حسب الحلاق يكمن في إصلاح تشريعي وضريبي شامل يعيد التوازن للسوق ويضمن بيئة تحقق الربح لجميع الأطراف بدلاً من تعميق الخسائر.