في اليوم العالمي للمُغيبين قسراً.. 112 ألف قصة انتظار ووجع في سوريا

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية– مها سلطان:

في اليوم العالمي للمغيبين قسراً، عشرات الآلاف من العائلات السورية ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبائها، وإذا كانت الأمم المتحدة اختارت يوم الـ30 من آب من كل عام ليكون يوماً عالمياً بهدف إبقاء هذا الملف الإنساني حيّاً في الوجدان العالمي فإن عائلات المغيبين والمختفين قسراً لا يمكن لهم أن ينسوا أحباءهم يوماً واحداً.. بالنسبة لهم كل يوم هو يوم لأحبائهم المُغيبين. كل يوم هو يوم لألم لا ينتهي ولا يخف بمرور الوقت. كل يوم تتكرر الأسئلة ذاتها: أين هم، هل هم أحياء، ماذا يفعلون، كيف يعيشون، وينامون ويأكلون ويشربون؟… أسئلة تتكرر صباح مساء، تتناهبها المخاوف، وفي الوقت ذاته تغذيها الآمال.

لكل مفقود أو مُغيب قسراً حياة تركها خلفه، وهي أكثر ما يؤلم، ذكريات بِحلوِها ومُرّها، أغراض شخصية، أماكن، أحياء، حارات، هوايات، صداقات، حتى أبسط الأشياء تغدو الأغلى والأكثر وجعاً في آن حياة بكامل ذكرياتها تحضر في كل جلسة عائلية ودائماً ما تنتهي بدموع حاضرة أبداً، تودع يوماً وتستقبل آخر.

– أرقام صادمة

وفق التقارير الأممية هناك 112 ألف مُغيب قسراً، هذا يعني 112 ألف عائلة، 112 ألف قصة انتظار، ابن وأخ وأم وأخت، تمضي أعمارهم وهي مُعلقة بحبال الأمل، أن أحباءهم سيعودون، ربما اليوم، أو غداً، أو بعده.. وهكذا إلى ما لا نهاية.

سقطت أسوار السجون والمعتقلات في 8 كانون الأول الماضي، لكن مصير المغيبين قسراً لم يُعرف بعد، عشرات آلاف العائلات ما زالت في حالة انتظار، وأياً يكن ما تبذله الدولة من جهود متواصلة لمعرفة مصيرهم، فإن هذه المسألة تحتاج إلى وقت وإلى جهود كبيرة جداً، وتعاون بين أطراف عدة، وقد يكون هذا التعاون ليس في متناول اليد في هذه المرحلة.. لكن هذا الوقت يمر بطيئاً ثقيلاً على عائلات المُغيبين وقد أضناهم الانتظار عقوداً طويلاً، وهم الذين استعادوا التفاؤل مع سقوط النظام السابق واتخاذ هذا الملف منحىً قانونياً سورياً ودولياً.

التقارير الأممية تقول إن عدد المغيبين قسراً في سوريا منذ عام 2011 وصل إلى 112 ألف شخصاً، اختفوا على يد أجهزة أمن النظام السابق ضمن سياسة ممنهجة لإسكات كل صوت معارض يطالب بالحرية والكرامة، بينهم ما لا يقل عن 3,000 طفل ونحو 6,000 امرأة… وتعتبر بعض المنظمات الحقوقية أن هذا الرقم على ضخامته الصادمة، أقل بكثير من الرقم الحقيقي الذي قد يصل إلى 200 ألف شخص.

كثيرون من هؤلاء قتلوا تحت التعذيب في ظروف بالغة الوحشية، أو أُعدموا سراً، أو طُمست آثارهم في مقابر جماعية لم يُكشف عنها حتى اليوم.

– جهود سورية ودولية

في 17 أيار الماضي تم تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين بمرسوم رئاسي رقم 19 لعام 2025، استناداً إلى الإعلان الدستوري وأحكامه، وتوصيفها كهيئة مستقلة، لها شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وتمارس مهامها على امتداد الأراضي السورية.

أوكل لهذه الهيئة عدد من المهام في سياق معالجة ملف الأشخاص المفقودين والمغيبين قسراً: «البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، توثيق الحالات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلات المفقودين».

ويوم الخميس الماضي أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، لتكون جزءاً من سلسلة خطوات وإجراءات قانونية رسمية تهدف إلى معالجة آثار سنوات طويلة من الحرب تخللتها انتهاكات وجرائم فظيعة، إلى جانب وضع آليات تنفيذية لمعالجة الملفات العالقة الخاصة بقضية المفقودين والمُغيبين قسراً. وقد عدَّ كثيرٌ من الحقوقيين والقانونيين خطوة الرئيس الشرع لبنة أساسية وخطوة متقدمة في مرحلة العدالة الانتقالية.

هذا المرسوم حظي بترحيب المنظمات الأممية والصليب الأحمر الدولي الذي دعا في بيان له -بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين الذي يُصادف اليوم السبت- دعا جميع الأطراف الفاعلة إلى تعزيز جهودها بشكل جماعي لمعالجة محنة عشرات الآلاف من الأشخاص الذين ما زالوا في عداد المفقودين في سوريا، مؤكداً أنّ معرفة مصيرهم تتطلب تعاوناً مستمراً بين عائلات المفقودين والجمعيات والسلطات والمجتمع المدني والجهات الدولية والمانحين.

وأشارت اللجنة إلى أنّها تسعى بشكل دائم للوفاء بالتزامها بالوقوف إلى جانب عائلات المفقودين ومساعدتهم في الحصول على الدعم الذي يستحقونه، وذلك بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري.

وأكدت لجنة الصليب الأحمر الدولي في بيانها أن اختفاء أحد أفراد العائلة لا يُعد مأساة شخصية فحسب، بل هو من أعمق الجراح الإنسانية وأطولها استمراراً في سوريا، وقال رئيس بعثة اللجنة الدولية في سوريا ستيفان ساكاليان: خلف كل حالة اختفاء توجد عائلة تعيش ألماً يزداد مع مرور الوقت، إنّ عائلات المفقودين تستحق دعماً ثابتاً وتعاطفاً لمساعدتها في البحث عن إجابات بشأن مصير أحبائها ووضع حد لمعاناتها، إنّ حقها في المعرفة مبدأ إنساني أساسي.

وأعرب ساكاليان عن تضامنه مع عائلات المفقودين، مؤكداً أن اللجنة الدولية لن تتخلى أبداً عن أملها في العثور عليهم «مهما مرت سنوات تلو سنوات. لن نستسلم أبداً في البحث عن الأشخاص المفقودين». ولم يخفِ ساكاليان أن العملية قد تستغرق وقتاً، قائلاً: «نعم قد تستغرق العملية في بعض الأحيان وقتاً طويلاً، لكن لن يتم إغلاق أي حالة أبداً حتى نصل إلى إجابة نهائية قاطعة».

وكانت الأمم المتحدة شكلت بدورها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا بقرار من الجمعية العامة في حزيران لعام 2023، لتحديد مصير ومكان جميع الأشخاص المفقودين ودعم الضحايا، بمن فيهم الناجون والناجيات وأسر المفقودين. وكانت رئيسة هذه المؤسسة كارلا كينتانا أكدت «أن كل شخص في سوريا يعرف أحداً مفقوداً» ما يشير إلى حجم المأساة التي تواجه عائلات المفقودين بعد سنوات من الانتظار وعدم اليقين بشأن مصير أحبائهم.

– ما هو الاختفاء القسري

الاختفاء القسري حسب تعريف الأمم المتحدة هو القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغماً عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون.

Leave a Comment
آخر الأخبار