“قارعة الدف” الأوغاريتية: بين الجمال الفني والدلالات الروحية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:

تعد لوحة “قارعة الدف” الأوغاريتية واحدة من أبرز الاكتشافات الأثرية في مدينة أوغاريت القديمة (رأس الشمرة)، حيث تجمع بين الجمال الفني الفائق والرمزية الثقافية والدينية العميقة. هذه القطعة العاجية النادرة، التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تحمل في طياتها إشارات إلى طقوس موسيقية ودينية مقدسة، وتعد شاهداً على ذروة فنون الحضارة الأوغاريتية. الدكتور غسان القيم، الباحث في التراث ومدير آثار رأس الشمرة، يكشف في حديثه لـ “الحرية” عن الأبعاد العميقة لهذه اللوحة، ويبرز دلالاتها الثقافية والفنية.
شاهدة على ذروة رقي الفن الأوغاريتي
وفي حديثه عن اللوحة، قال الدكتور غسان القيم: إنّ لوحة “قارعة الدف” تعدّ من أبهى المكتشفات الأثرية التي أخرجتها لنا مدينة أوغاريت، ليس بما تحمله من جمال بصري فحسب، بل بما تختزنه من دلالات دينية وثقافية وفنية عميقة، إنها قطعة عاجية نادرة رُجح تأريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ومحفوظة اليوم ضمن مقتنيات المتحف الوطني في دمشق، شاهدة على ذروة رقي الفن الأوغاريتي.

أقرب إلى التجلي الطقسي

وأضاف: عند التمعن في التمثال يلفت النظر نعومة التشكيل ورقة الجسد، والشّعر المسبل على الكتفين ووضعية الجلوس الهادئة، التي تنضح بالسكينة والوقار، كل ذلك يقود إلى ترجيح أن المجسد امرأة لا تقدم بوصفها عازفة عادية، بل في هيئة أقرب إلى التجلي الطقسي، فالدف المستدير الذي تحمله ووضعية الجلوس المتزنة، يخرجان عن المألوف في التصوير الفني المجاور.
وتابع القيم بالحديث عن المقارنة مع التماثيل المصرية، مبيناً أن هذا التمثال دفع الباحثين إلى مقارنته ببعض التماثيل المصرية الصغيرة، التي كانت تدفن في القبور لترافق أصحابها في العالم الآخر، ومن بينها تماثيل لعازفات موسيقى، غير أن هذه المقارنة على أهميتها تظل محدودة، إذ إن الدف المستدير لم ينتقل إلى مصر إلا في فترة الأسرة الثامنة عشرة، كما أن الفن المصري اعتاد تصوير العازفات واقفات أو راقصات لا جالسات أو راكعات، لذا تبدو اللمسة الفرعونية هنا بعيدة إن لم تكن غائبة تماماً.

يكتسب وزناً علمياً خاصاً

وأردف قائلاً: من هذا المنطلق يكتسب رأي عالم الآثار الفرنسي الراحل كلود شيفر، منقب أوغاريت لأكثر من نصف قرن، وزناً علمياً خاصاً، فقد رأى في هذه القطعة تمثيلاً للإلهة عناة، الإلهة السورية ربة الخصب والينبوع والحياة المتدفقة، ولم يكن هذا الرأي افتراضاً شكلياً بل استند إلى نص ميثولوجي أوغاريتي، يصف عناة صراحة بوصفها عازفة على الدف، تتغنى بحبها للإله بعل الجالس على قمة جبل صفون (جبل الأقرع).

طقسٌ وطني

وأشار د. القيم إلى أن النص الطقسي المكتشف في أوغاريت يعزز هذا التفسير، حيث يصف مشهداً احتفالياً مهيباً تتقاطع فيه الموسيقى مع الغناء، والطقس بالجسد، والقداسة بالجمال، ما يظهر صورة طقسية تربط بين الأرض والسماء في توازن عميق.

وأضاف: نرى فيه الخادم يهيئ المائدة، والخمر المقدسة تسكب، والأصوات تتعالى؛ صنوج تقرع، وأناشيد ترتل، وبعل يتأمل بناته، بينما تُغسل عناة بندى السماء ودسم الأرض، وتُعطر بالزعفران والعنّاب وتتزين بأرجوان الأصداف البحرية، إنه مشهد لا يصف احتفالاً عابراً بل طقساً كونياً، تتجلى فيه خصوبة الأرض وقداسة الموسيقى، ودور الأنثى الإلهية في حفظ توازن العالم.

وثيقة صامتة

وختم الدكتور غسان حديثه بالقول: لا يمكن النظر إلى لوحة “قارعة الدف” بوصفها عملاً فنياً معزولاً، بل هي وثيقة صامتة تختصر تداخل الدين بالموسيقى، والأسطورة بالحياة اليومية، والفن بالعقيدة في أوغاريت.
إنها قطعة تقول إن الموسيقى لم تكن ترفاً بل لغة مقدسة، وإن الأنثى لم تكن هامشاً بل مركزاً رمزياً للخصب والحياة والاستمرار.

عبقرية الإنسان الأوغاريتي

تظل لوحة قارعة الدف الأوغاريتية واحدة من أبرز الشهادات على عبقرية الإنسان الأوغاريتي، في ربط الفن بالمعتقدات الدينية والأساطير. هي ليست مجرد تمثال عاجي بديع، بل هي أيضاً رمز مقدس يعكس تداخل الموسيقى والطقوس الروحية في تلك الحقبة، كما أشار الدكتور غسان القيم، تظل قارعة الدف الأوغاريتية إحدى أصدق الشهادات على عبقرية الإنسان الأوغاريتي، الذي صاغ من العاج لا شكلاً فحسب بل أسطورة نابضة بالصوت والطقس والضياء.

Leave a Comment
آخر الأخبار