الحرية – مها سلطان:
بموكب مهيب، شيّع السوريون اليوم شهداءهم الذين سقطوا في العدوان الإسرائيلي أمس، وبقدر الحزن الذي يلف ذوي الضحايا وعموم سوريا، بقدر ما يزيد هذا العدوان من وحدة السوريين تجاه العدو الإسرائيلي.. وبقدر القناعة بأن هذا العدوان لن يكون الأخير، هناك قناعة بأن الارتدادات لن تكون في مصلحة الكيان الإسرائيلي.
مع ذلك لنقارب هذا العدوان بتجرد، ونسأل لماذا يستمر ولماذا يتسع في المستوى والجغرافيا؟
طيلة الأشهر الأربعة الماضية لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وكانت الذريعة حينها تدمير القدرات العسكرية التي خلفها النظام السابق فلا تستفيد منها القيادة السورية الجديدة كمصدر تهديد لإسرائيل، واستمرت الاعتداءات حتى أعلنت إسرائيل بنفسها القضاء على هذه القدرات، علماً أن القيادة السورية الجديدة منذ اليوم الأول أعلنت أنها ليست بصدد شن حروب وأن الأولوية للإعمار والبناء والتنمية، وأنها تلتزم بالمعاهدات الدولية وتحترمها/معاهدة فصل القوات لعام 1974/ أي إن لا تهديد عاجل ولا آجل ضد إسرائيل.
ولكن من قال إن سوريا متطورة مزدهرة وقوية اقتصادياً لا تخيف إسرائيل؟
اليوم تتذرع إسرائيل بـ«القلق من وجود تركي دائم في سوريا» وتصفه بالمعادي والخطير عليها، فيقول وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن عدوان الأمس هو «رسالة تحذير للمستقبل» لحكام سوريا الجدد في حال سمحوا بدخول «قوات معادية» في إشارة إلى المتداول حول التعاون العسكري بين سوريا وتركيا والذي يتضمن بناء قاعدة عسكرية تركية وسط سوريا، وبما يعني تقييد الحركة الإسرائيلية في سوريا والدفع باتجاه احتكاك عسكري محتمل بصورة كبيرة في حال تم بناء هذه القاعدة، كما يقول الإعلام الإسرائيلي.
وقد صرّح أكثر من مسؤول إسرائيلي أن عدوان الأمس هو رسالة إلى تركيا، ورسالة إلى سوريا ورئيسها أحمد الشرع من مغبة «السماح لأي جهة بتغيير الوضع القائم في سوريا بما يهدد أمن إسرائيل» وفق زعم كاتس.
هذا معناه أن إسرائيل تريد أن تكون سوريا منزوعة القوة ومنزوعة الحلفاء في آن، وترى في تنامي العلاقة بينها وبين تركيا خطراً كبيراً. ولكن هل ستمنع الاعتداءات العسكرية وتوسيع حجمها ونطاقها التعاون السوري- التركي؟.. وفي حال وصل هذا التعاون في أحد أهدافه إلى بناء قاعدة عسكرية في وسط سوريا أو أي منطقة أخرى، هل ستجرؤ إسرائيل على ضربها؟
يُقال إن القاعدة العسكرية التركية التي يتم تداول الأخبار حولها، كانت ستقام في المنطقة نفسها من حماة وحمص التي استهدفها العدوان الإسرائيلي أمس (مطار حماة العسكرية ومطار الـ تي فور في ريف حمص)، حيث تم تدميرهما بحوالى 15 غارة في رسالة واضحة لتركيا مفادها «لا لإقامة قواعد عسكرية تركية في سوريا، ولا لتدخل تركيا في النشاط الإسرائيلي الجوي داخل البلاد» وفق صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أمس، نقلاً عن مسؤول أمني إسرائيلي.
ولكن- بعيداً عن تركيا- هل من أهداف أخرى للاعتداءات الإسرائيلية؟
هناك عدة أجوبة
– كثير من المراقبين يرون أن التواجد العسكري التركي في سوريا لا يستهدف إسرائيل، وأن له أهدافاً أخرى في المرحلة المقبلة متعلقة بما ستفرزه تطورات البؤر المشتعلة في المنطقة، وما تخططه أميركا. تركيا لا تستطيع إلا أن تكون متواجدة على أقرب مسافة ممكنة، وبما يمنحها قدرة التأثير، وحتى التدخل.
– بالمقابل يتحدث مراقبون عن أن إسرائيل ما زالت «تختبر قدرة/نية الرئيس الشرع على الرد» ويقرؤون المشهد معكوساً، حيث إن إسرائيل هي من يخشى سوريا، وترى أن القيادة السورية الجديدة لا تكشف جميع أوراقها، وإن كانت أعلنت غير مرة أنها بصدد التنمية والإعمار وليست بصدد شن الحروب.
– فريق ثالث من المراقبين يتحدثون عن التطبيع الذي تريده إسرائيل مع سوريا (ولبنان) تحت النار. لنذكّر هنا بعدة تصريحات أميركية خرجت قبل أيام، حول أن التطبيع بين سوريا وإسرائيل بات متاحاً بصورة أكبر، أي أسهل في ظل ما سموه «القيادة السورية الجديدة التي تغيرت» لكن هذه التصريحات لم تجد ترجمة مقابلة لها، لا في سوريا (ولا في لبنان). صحيح أن سوريا الجديدة سعت ولا زالت تسعى لبث رسائل إيجابية إلى جميع الأطراف في الإقليم وعلى المستوى الدولي (بما في ذلك إسرائيل) حول أهدافها الحقيقية المتمثلة باستعادة سوريا الدولة والشعب والمؤسسات، التنمية والتطوير والاقتصاد، إلا أن هذا لا يعني أنها تتجه إلى التطبيع. أو لنقل عملياً من خلال متابعة مسار التصريحات أنها لم تتطرق قط إلى مسألة التطبيع، رغم أنه لا يخفى على أحد حجم الضغوط الهائلة الذي تتعرض له، ليس فقط فيما يخص التطبيع، بل في جميع القضايا تقريباً.
حتى الآن، تثبت القيادة السورية الجديدة حسن التدبير والعمل، وهي إذ تدين وتدعو المجتمع الدولي إلى «اتخاذ موقف حازم والضغط على إسرائيل لوقف عدوانها والالتزام بالقانون الدولي، وبتعهداتها بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974» فهي تفترض بالمقابل أن هذه الدعوة قد لا يتم الاستجابة لها في هذه المرحلة، لكن هذا لا يعني انتفاء حسن التدبير والعمل، فلكل مرحلة ولكل تطور فعل وتدبير.