شرط أن تحمل الشعر في جوهرها.. ثناء أحمد: قصيدة النثر مساحة شعرية شرعية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – هويدا محمد مصطفى:

شاعرة تعزف على قيثارة الشعر بمفردات حالمة ورمزية، تأخذك لضوء الشعر بكل أشكاله. كتبت القصيدة العمودية، ووجدت نفسها أكثر قرباً من قصيدة النثر.

تناولت قضايا عديدة من الواقع، واستطاعت أن تحلق في فضاء الإبداع من خلال دراستها للغة العربية. صدر لها أربع مجموعات شعرية: “اللون الأحمر”، “صقيع ساخن”، “في حضرة الغياب”، “أحلام نائمة”. وهناك مجموعة شعرية قيد الطباعة بعنوان “أمواج العاطفة”، ومجموعة قصص قصيرة وقصيرة جداً بعنوان “شرارات مفيدة”. ولديها الكثير من المشاركات والدراسات الأدبية والجوائز. عنها، الشاعرة ثناء أحمد، أجرت صحيفة “الحرية” معها هذا الحوار.

· متى يمكن للشاعر أن يكشف آليات الخطاب الشعري ومدى انفتاحه على تجليات اللحظة الإبداعية؟

– عندما يمتلك الشاعرُ وعياً نقدياً بذاته وبنصِّه؛ فلا يكفي أن يكتب الشاعرُ، بل عليه أن يرى ما يكتب من خارج تجربته كقارئٍ ثانٍ. ثمَّ إنَّ على الشاعر – من وجهة نظري – أن يعود إلى النص بعد انتهاء الكتابة كأنَّه نتاجٌ لشخصٍ آخر. فالنصّ الأدبي يمرّ، حسب تقديري، بهذه المراحل: الانفعال الذي يتحوّل إلى رؤية، والرؤية التي تتحوّل إلى رمز، والرمز الذي ينفتح على احتمالات تأويل عديدة. وهذه المراحل تحتاج إلى دراية، والدراية تُعمِّق الموهبة وتدفعها نحو التَّجذّر.

· قصائدك ترجمة للواقع بأسلوب جمع بين الفلسفة والدهشة، ماذا تقولين في ذلك؟

– عندما يبدأ الشاعر من تجربةٍ واقعية، ثم ينظر إليها بعينٍ فلسفية، ثم يعبّر عنها بلغةٍ تُدهش وتُفاجئ، يتشكّل نصٌّ يجمع بين: جذرٍ في الواقع، وروحٍ في الفلسفة، وجناحٍ في الدهشة. فيصبح الشعر فضاءً يقع بين العالم، وبين ما نفكّر فيه عن العالم، وبين ما نشعر به تجاه هذا العالم.

· مازال هناك جدلية حول قصيدة النثر، ما رأيك بذلك؟

– قصيدة النثر ليست عدوّاً للشعر، بل امتدادٌ له. فالشعر ليس قالباً ثابتاً، بل طريقة في رؤية العالم وتكثيفه لغوياً. وقد نجحت قصيدة النثر في أن تفتح للشعر مناطق جديدة: مساحةً أكبر للخيال، وحريةً في البناء والصورة، وجرأةً في التفكيك وتجاوز التقاليد، وقدرةً على التعبير عن توتّر الإنسان المعاصر.

إنها ليست محاولة لنسف الموروث، بل محاولة لاستيعاب زمنٍ جديد بلغةٍ جديدة. لكنها ليست أيَّ كلام؛ فلها شروطها الفنية. فكثيرٌ من النصوص التي تُنشر اليوم تحت اسم “قصيدة نثر” ليست شعراً أصلاً، ولهذا يظنّ البعض أن قصيدة النثر فوضى أو سهولة، بينما هي في الحقيقة تحتاج إلى: توتّرٍ شعري، واقتصادٍ لغوي، وصورةٍ مولِّدة للدهشة، وبنيةٍ داخلية توازي الوزن، وإيقاعٍ داخليٍّ لا يُسمَع بل يُحَسّ.

قصيدة النثر السليمة ليست نثراً مُزخرفاً، بل نصّاً شديد الانضباط من الداخل. ومن وجهة نظري، فإنَّ الخلاف بين التقليديين وأنصار التجديد خلافٌ طبيعيّ وصحّي؛ فكلُّ تطوّرٍ شعريٍّ واجه مقاومةً في بدايته. والجدل حول قصيدة النثر يُغني المشهد، لأنه يفتح الباب لأسئلةٍ مثل: ما الشعر؟ ما الإيقاع؟ ما الصورة؟ أين ينتهي النثر وتبدأ الشعرية؟ هذه الأسئلة مهمة، لأنها تحمي الشعر من الجمود.

قصيدة النثر مساحةٌ شعريةٌ شرعية، شرط أن تحمل الشعر في جوهرها، لا في اسمها. وهي ليست منافساً للشعر العمودي أو الشعر الحر، بل وجهٌ ثالثٌ للشعر يشترك معهما في الروح ويختلف عنهما في الأداة.

· هل هناك فرق بين ما تقدمه الشاعرة عن الشاعر برأيك؟

– يقعُ على عاتق المرأة في مجتمعاتنا أعباء ومهام عديدة، وتعاني من ضغوطات الحياة، وإن كنت لا أزعم أن هذه الضغوطات أحياناً ليست مقتصرة على النساء فقط. ومع ذلك، لم تثنِها هذه الظروف عن الإبداع، فقد تفوقت في أماكن عديدة على الرجل. كيف يمكن أن نلمح فرقاً بينهما طالما هما من تركيبة شعورية واحدة، ومن اتقاد فكري وذهني موحد؟ ولكن من المؤسف هذا التَّقليل من شأن المرأة الأدبي على مدى العصور السَّابقة.

· “في حضرة الغياب” مجموعة شعرية، ماذا يقدم العنوان بالنسبة للمتلقي؟ وماذا تضمنت المجموعة؟

– لا أعلم تماماً ماذا يقدم العنوان للمتلقي، فلكل متلقٍ تأويلاته ورؤيته. لكن ما أعلمه أنني عندما اخترت هذا العنوان لم أختره عن عبث؛ فهو يمثل مرحلة شعورية معينة سيطر عليها الإحساس بالغربة والوحدة والغياب، فكانت نصوص هذا الديوان في أغلبها تحاكي مثل هذه المشاعر. تضمن الديوان أربعاً وعشرين قصيدة، جمعت فيها بين الحالة الوجدانية العاطفية والحالة الاجتماعية والوطنية… ومعظم النصوص مازجت بين هذه الحالات.

Leave a Comment
آخر الأخبار