الحرية – نهلة ابوتك:
يعيش السوريون يومياً ضغطاً متصاعداً بسبب تقنين الكهرباء وتقلبات توافر الوقود، ما يجعل قطاع الطاقة قضية معيشية حقيقية تتجاوز البعد التقني.
وفي هذا السياق، تأتي خطوات الحكومة السورية لتعزيز الإنتاج وتحسين البنية التحتية كضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، بهدف تخفيف الأعباء اليومية على المواطنين وتحريك عجلة الاقتصاد والخدمات.
وفي خطوة عملية، وقّعت وزارة الطاقة مع وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية مذكرتي تفاهم في مجالي الغاز الطبيعي والمشتقات النفطية، في إطار جهود تعزيز الشراكة العربية المشتركة في قطاع الطاقة.
المذكرة الأولى تستهدف التعاون في توريد الغاز الطبيعي لتعزيز إنتاج الكهرباء، مستفيدةً من القدرات الفنية والبنى التحتية المصرية المتقدمة، بما فيها وحدات التسييل وشبكات التوزيع.
المذكرة الثانية تركز على توريد المشتقات النفطية وتقديم دعم فني لإعادة تأهيل أجزاء من البنية التحتية السورية في مجالي النفط والغاز، مستفيدة من الخبرات المصرية الواسعة.
ويُعدّ هذا التطور خطوة استراتيجية بأبعاد اقتصادية، سياسية وإقليمية، تمهد لانفتاح تدريجي إذا أُكملت بإجراءات لاحقة وترافق ذلك مع ثبات الوضع السياسي السوري، وتعيد إحياء وزن العلاقات الاقتصادية بين البلدين اللذين كانا سبّاقين في تفعيل اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة لتوفير أداة إضافية في ديناميكيات الطاقة العربية الإقليمية.
اختبارات التنفيذ والواقع المعيشي
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن هذه المذكرات لا تُقاس بالتوقيع وحده، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين مباشرة، مشيراً إلى أن تحويل هذه الخطوة إلى تحسين ملموس في الكهرباء والوقود يعتمد على ثلاث ركائز رئيسية:
أولاً: ثبات المسار السياسي السوري لضمان استمرار التعاون، وثانياً: تبسيط الإطار القانوني والتنفيذي أمام العقوبات الغربية وثالثاً: قدرة الدولتين على تحويل الاتفاقيات الطاقوية إلى شراكات موسعة تشمل التجارة، النقل والخدمات اللوجستية.
وأضاف عربش: قيمة هذه الخطوة تكمن في أنها تدمج الجانب الاقتصادي بالجانب السياسي والإقليمي، حيث لا تمثل صفقة تجارية منفصلة، بل حلقة ضمن شبكة التعاون الطاقوي الإقليمي، كما تجلّى سابقاً في مسار خط الغاز العربي وصفقات الغاز إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
دور سورية ومصر في خريطة الطاقة الإقليمية
وبحسب عربش، تُعزّز هذه الاتفاقيات آفاق تعميق العلاقات الاقتصادية بين مصر وسوريا، مدعومة بأساس تاريخي راسخ، إذ كانت سورية قبل الحرب سوقاً حيوياً للصادرات المصرية وممراً لمشاريع الغاز والكهرباء، بينما تُروّج مصر اليوم لنفسها كمركز إقليمي لتسييل الغاز وتجارته، قادر على تلبية احتياجات سوريا واستغلال موقعها لنقل الطاقة نحو لبنان والعراق وربما تركيا مستقبلاً.
وإذا ثبتت الإمدادات وبدأت مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية السورية بدعم فني مصري، قد تتوسّع الشراكة لتشمل: عقود مقاولات مصرية لمحطات الكهرباء وخطوط النقل، وبرامج تدريب للكوادر السورية في الشركات والمؤسسات الطاقوية المصرية، وإعادة إحياء دور سوريا كحلقة وصل في نظام الغاز والكهرباء العربي، ما يعزّز موقع مصر كمركز لتجميع وتوزيع الغاز شرق المتوسط.
أبعاد إقليمية ورسائل سياسية
وأشار عربش إلى أن الخطوة لها أبعاد إقليمية واسعة، إذ تشكّل عنصراً في إعادة رسم خريطة الطاقة في المشرق العربي، عبر ربط مصر بوصفها قطباً لتسييل وتجارة الغاز شرق المتوسط بسوريا كممر بري ولوجستي حيوي، مع تداخل ملفات لبنان والأردن والعراق في تدفقات الغاز والكهرباء. كما يعزّز هذا النوع من الاتفاقيات مبدأ التكامل العربي الطاقوي كبديل للاعتماد على جهات خارجية، ويمنح القاهرة ودمشق نفوذاً أكبر في مفاوضاتهما مع الشركاء الدوليين حول الغاز والاستثمارات.
وأكد عربش أن الرسالة الأهم من هذه الخطوة هي إعادة دمج ملف سوريا تدريجيًا في الدائرة الاقتصادية العربية عبر مبادرات عملية في مجالات الغاز والمشتقات والبنى التحتية، لا عبر شعارات فقط، بما قد يحفّز دولاً عربية أخرى على عقد ترتيبات مماثلة.
المواطن في قلب الإنجاز
وفق تحليل الدكتور زياد عربش، يبقى الرهان على تحويل هذه المذكرات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن يومياً، سواء عبر زيادة ساعات الكهرباء، توافر الوقود، أو تخفيف تكلفة الإنتاج والخدمات. فالنجاح الحقيقي لأي خطوة حكومية في قطاع الطاقة يُقاس بما إذا كانت تخفف الضغط المعيشي الفعلي عن السوريين، لا بمجرد توقيع الاتفاقيات.