ستصبح مؤسسة مالية كبرى.. خبير يحذر من تحويل الكهرباء إلى كتلة جباية ضخمة بلا رؤية استثمارية وحماية اجتماعية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

يُعد قطاع الطاقة في سوريا أحد أكثر القطاعات ضغطاً على الاقتصاد الوطني، وأشدها تماساً مع الواقع المعيشي للمواطنين، في ظل انقطاعات كهربائية طويلة، وتراجع الإنتاج، وارتفاع كلف الطاقة البديلة.
ومع تصاعد النقاشات حول تعرفة الكهرباء، والسياسات النقدية، وإصلاح المؤسسات الخدمية، يبرز سؤال محوري هل تتجه الدولة نحو إعادة تأهيل مستدامة لقطاع الطاقة، أم إن الكهرباء تتحول تدريجياً إلى عبء جباية مالي؟

أزمة طاقة بنيوية أم قابلة للمعالجة؟

يرى خبراء اقتصاديون أن أزمة الطاقة في سوريا ليست ظرفية، بل بنيوية ومتراكمة، نتيجة سنوات من التراجع الاستثماري، وتهالك البنية التحتية، وارتفاع الفاقد الفني والتجاري، إلى جانب ضعف التكامل بين السياسات الطاقوية والمالية والنقدية. إلا أن هذه الأزمة، رغم عمقها، تبقى قابلة للمعالجة التدريجية في حال توفرت رؤية إصلاحية واضحة، تبدأ من تحديد الأولويات، ولا تكتفي بإجراءات جزئية أو قرارات صادمة.
وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش مقاربة مختلفة للنقاش الدائر حول الكهرباء، لا بوصفها خدمة فقط، بل كفاعل مالي واقتصادي آخذ بالتوسع داخل بنية الاقتصاد السوري.

من خدمة عامة إلى كتلة سيولة

يقول الدكتور زياد عربش : بعد المصرف المركزي هل تصبح مؤسسة الكهرباء بسيولتها ثاني أهم مؤسسة مالية بعد “شام كاش”؟
ويتابع موضحاً أنه إذا كان وسطي فاتورة الكهرباء ٢٠٠ ألف ليرة (٢٠٠٠ جديدة)، يعني أن مؤسسة الكهرباء ستحوز على سيولة قدرها ٨.٤ آلاف مليار (٤.٢ ملايين عداد)، أي ثلث موازنة الدولة المنتظرة.. فيعني أيضاً أن المؤسسة أصبحت (ولو جباية) جزءاً كبيراً من اقتصاد سوريا.

لننتظر قراراً جديداً!

ويكشف هذا الطرح حجم التحول في دور مؤسسة الكهرباء، يضيف عربش، التي لم تعد مجرد مزود خدمة، بل باتت، وفق هذه الأرقام، جهة قادرة على تجميع سيولة ضخمة، تضعها في موقع اقتصادي حساس، ما يفرض تساؤلات جدية حول كيفية إدارة هذه السيولة، وأين ستنعكس، وهل سيعاد استثمارها في تحسين البنية التحتية والخدمة، أم ستبقى في إطار الجباية فقط؟.

تحذير لا انتقاد

وفي تعقيبه على الجدل الذي رافق تعرفة الكهرباء، يوضح عربش أن موقفه لم يكن نقدياً بقدر ما كان تحذيرياً، إذ يقول بتعقيب سابق عن تعرفة الكهرباء الخشية من أن يتحول حذف صفرين من العملة لفاتورة الكهرباء، كانت الغاية المؤازرة الإيجابية التوضيحية وليس للانتقاد.
ويشرح هذا الموقف ضمن إطار أوسع، يرتبط بالسياسات النقدية والإصلاح المالي، مشدداً على أن أي إجراء من هذا النوع لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام.

ويؤكد عربش في هذا السياق على أهمية وجود سياسة نقدية متكاملة مع مكونات الإصلاح المالي، كون تبديل العملة كما ذكرنا منذ آب ٢٠٢٥ لا يُختصر بنواحٍ تقنية.
ويعكس هذا الطرح تحذيراً من التعامل مع ملف تبديل العملة أو حذف الأصفار كإجراء محاسبي أو شكلي، دون ربطه بإصلاحات أعمق في المالية العامة، وهيكلة الدعم، وضبط الإنفاق، وتحسين الإنتاجية.

خمس ركائز لسياسة طاقوية متوازنة

وفي نقطة بالغة الأهمية، يشدد عربش على ضرورة تجنب الصدمات الاجتماعية في تطبيق الإصلاحات، قائلاً: يجب أخذ “الحبة المرة” على دفعات جرعات، وليس بالصدمة، وأن تتكامل مع ٥ محاور كسياسة طاقوية هي:

حتمية تخفيض الفاقد.

قروض دون فائدة للأسر والفعاليات في مجالات الطاقة البديلة.
تكامل كل أسعار الطاقة لتجنب معاملات الإحلال والإبدال.
تصنيع العدادات محلياً.
شبكات الحماية الاجتماعية لعدة طبقات هشة بالمجتمع (قدرها بمليون مستفيد).
يضيف عربش: تعكس هذه المحاور رؤية شاملة لقطاع الطاقة، لا تقوم على رفع التعرفة فقط، بل على إعادة هيكلة المنظومة كاملة، من الإنتاج والتوزيع، إلى التسعير والحماية الاجتماعية.

متى يلمس المواطن تحسناً؟

يرتبط أي تحسن فعلي في التغذية الكهربائية، وفق عربش، بمدى الالتزام بهذه المحاور، وبالقدرة على خفض الفاقد، وضبط الجباية بعدالة، وتوجيه الموارد المالية المتحصلة نحو الاستثمار الحقيقي في الشبكات والمحطات. وفي حال جرى اعتماد مسار تدريجي متكامل، يمكن للمواطن أن يلمس تحسناً نسبياً خلال أفق زمني متوسط، لا قصيراً ولا مؤجلاً بلا نهاية.

رسالة إلى صنّاع القرار

تكمن الرسالة الأهم، التي يحملها طرح عربش، في أن الكهرباء ليست ملفاً تقنياً ولا مالياً فقط، بل ملف سيادي اقتصادي، وأن تحويل مؤسسة الكهرباء إلى كتلة جباية ضخمة دون رؤية استثمارية وحماية اجتماعية، قد يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع بدل أن يساهم في التعافي.
فإما أن تكون الكهرباء مدخلاً لإصلاح اقتصادي متوازن ومستدام، أو تتحول إلى عبء إضافي على المواطنين، مهما بلغت أرقام السيولة.

الوسوم:
Leave a Comment
آخر الأخبار