الحرية _ رشا عيسى:
تعد سوريا بموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين تركيا ودول الخليج وبين قارتي آسيا وأوروبا، مركزًا إقليمياً ذا أهمية كبيرة في التجارة العالمية، خصوصاً في مجالات السلع والطاقة. لكن هذا الموقع الحيوي الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط، يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً لكي يحقق إمكانياته بالكامل، وخاصة في ما يتعلق بتطوير “الاقتصاد الأزرق” في مجال النقل البحري واللوجيستيات. فهل سيكون لقطاع النقل السوري مستقبل واعد في حال تحققت تلك الفرص؟
الباحث في الاقتصاد السياسي طلال اسعيد يؤكد في حديث لـ”الحرية” أن سوريا، رغم الظروف الراهنة، تمتلك إمكانيات هائلة يمكن استثمارها في حال استقرت الأوضاع، مشيراً إلى أن قطاع النقل يمثل أحد المحاور الرئيسية لتحقيق هذه الإمكانيات. وأكد اسعيد أن استثمار الموقع الاستراتيجي وتطوير قطاع النقل البحري والجوي سيعود بفوائد كبيرة على الاقتصاد السوري.
تاريخ عريق يعاني من الإهمال
يعد قطاع النقل من الركائز الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني، ولطالما لعب دوراً مهماً في سوريا.
تتمتع سوريا بشبكة من السكك الحديدية، كما تمتد سواحلها على البحر الأبيض المتوسط لتجعلها نقطة التقاء رئيسية لحركة التجارة عبر الموانئ.
لكن القطاع عانى طوال سنوات من فساد مستشرٍ، وضعف في الصيانة، وإهمال موروث من النظام الساقط. فشبكة الطرق، على سبيل المثال، لم تشهد تجديدات تذكر منذ السبعينيات والثمانينيات، ما جعلها واحدة من أكثر الدول في الشرق الأوسط في حوادث السير.
أما في مجال النقل الجوي، فقد كان الوضع أكثر سوءاً حيث أثر الحصار الدولي والعقوبات الاقتصادية بشكل كبير على قطاع الطيران، وتراجع حجم الأسطول الوطني للطائرات بشكل مقلق.
الفرص المستقبلية
رغم التحديات، تبقى هناك فرص ضخمة لتطوير قطاع النقل، خاصة في حال استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، كما أضاف الباحث اسعيد وأشار اسعيد إلى أن هذه الفرص يمكن أن تسهم في إعادة بناء القطاع على النحو التالي:
رفع العقوبات الاقتصادية: أكد اسعيد أن رفع العقوبات الأميركية والأوروبية خطوة أساسية لإعادة تأهيل البنية التحتية. فإدخال معدات متطورة إلى الموانئ وقطاع السكك الحديدية سيعزز قدرة سوريا على استعادة مكانتها كمركز تجاري إقليمي.
اسعيد أكد أن السيطرة العسكرية المستمرة للجيش السوري على أراضٍ جديدة تفتح المجال أمام الاتفاقات السياسية التي قد تقود إلى إنهاء النزاع، ما يعيد توصيل خطوط النقل الاستراتيجية مثل خط نفط كركوك-بانياس.
مشروع أنبوب الغاز القطري_ التركي
في إطار الفرص المستقبلية
في إطار الفرص المستقبلية
أشار اسعيد إلى أن هذا المشروع يمثل فرصة ذهبية لسوريا في تحويلها إلى مركز إقليمي لتوزيع الطاقة، مع ما يترتب على ذلك من عوائد مالية ضخمة من رسوم العبور وفرص عمل عديدة.
التحديات المتبقية
لا شك أن التحديات ما زالت كبيرة. فقد تعرض قطاع النقل لضربة قاسية خلال سنوات الحرب، حيث تعرضت الطرق والجسور والموانئ للتدمير الممنهج. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الصيانة وتراكم سنوات من الإهمال يمثل تحدياً كبيراً.
مقترحات
واقترح اسعيد عدداً من التوصيات التي يمكن أن تساهم في تحسين هذا القطاع الحيوي، منها، مذكرات تفاهم دولية، وأشار سعيد إلى ضرورة توقيع اتفاقات مع الدول المجاورة ومنح تأشيرات دخول للسائقين، ما يسهم في تسهيل حركة التصدير، خاصة إلى أوروبا.
وإصدار قوانين جديدة تنظم نقل البضائع وتواكب المعايير الدولية في النقل.
تأهيل الكوادر البشرية و تدريب العاملين في القطاع لتحسين مستوى الخدمة في جميع المجالات.
إطلاق منصة رقمية لرفع الكفاءة، مثل أتمتة خدمات الحجز والدفع الإلكتروني، وتحليل حركة السير والاختناقات المرورية.
تطوير الشحن البحري وتعزيز صناعة السفن المحلية والتوسع في الشحن البحري، ليتمكن الميناء السوري من لعب دور محوري في حركة التجارة على البحر المتوسط.
يظل قطاع النقل في سوريا أمام مفترق طرق حاسم. مع توفر الفرص، تبقى العوائق الأمنية والسياسية هي العامل الحاسم في تحديد قدرة البلاد على استعادة دورها الاستراتيجي في التجارة العالمية. فهل ستستثمر سوريا هذه الفرص في المستقبل؟ هذا يعتمد بشكل أساسي على استقرار الأوضاع وتحقيق توافق داخلي بين القوى المتنازعة، كما أضاف الباحث طلال اسعيد ، مشيراً إلى أن الطريق نحو الاستقرار يتطلب جهداً مشتركاً من كل الأطراف.