الحرية- حسيبة صالح :
تفتح اللغة أبوابها كلما اقترب اسم دخيل الخليفة من الورق، كأن القصيدة تستيقظ لتعيد ترتيب العالم على مقاس شاعرٍ لم يتوقف عن مساءلة الوجود منذ أكثر من ثلاثة عقود.
شاعرٌ يرى في الكتابة محاولة لفهم الذات قبل العالم، وفي الشعر نافذة يطل منها الضوء على الخراب، الحب، الخوف، والضياع. ومع وصول مجموعته الكاملة «بحثاً عن جهة خامسة» إلى سوريا، بدا أن تجربة الخليفة تدخل مختبرها الأصعب، حيث القارئ الذي لا يقبل المواربة، والشعر الذي يُقرأ كجزء من الحياة لا كترفٍ لغوي.
من هو دخيل الخليفة؟
دخيل الخليفة شاعر وصحفي كويتي بارز، وُلد عام 1964، ويُعدّ من الأصوات الشعرية الخليجية التي تركت أثراً واضحاً في المشهد الثقافي العربي.
أصدر خلال مسيرته الطويلة عدداً من المجموعات الشعرية، كان آخرها مجموعته الكاملة «بحثاً عن جهة خامسة» التي ضمّت ثمانية كتب شعرية، بينها نصوص جديدة وغير منشورة.
كتب قصيدة العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، قبل أن يتخلى عن الشكل العمودي منذ التسعينيات، متجهاً نحو لغة أكثر تحرراً وتجريباً. عمل في الصحافة الثقافية، وترأس تحرير موقع «آراء»،
وكان لـ”الحرية” هذا الحوار مع الشاعر دخيل الخليفة، حوارٌ يفتح نوافذ جديدة على تجربته، ويضيء مناطق ظلٍّ في مشروعه الشعري الممتد لأكثر من ثلاثة عقود.
بعد 35 عاماً من الكتابة، هل كان الشعر وسيلتك لفهم العالم، أم وسيلة العالم لفهمك؟
ـ لا أدري إن كانت نوافذ العالم مفتوحة لفهم إنسان بسيط يرى كل شيء مغلقاً؛ الكتابة بالنسبة لي بحثٌ عن الذات وعن الآخر فيها أيضاً، محاولات لفك طلاسم حياة رمادية، لتفسير الخراب، الحب، قراءة الخوف والضياع داخل الحدود. ظننت أنني أكتب لأفهم العالم، لأتساءل، منتظراً كوّة يطل منها الضوء، ويبدو أن الشعر لم يكن أداة بيدي بقدر ما كنت أنا أداة بيده أيضاً، في عالم معقّد لم أكن فيه سوى رقم غير معترف به، اختارَ أن يمرّ عبر لغتي، وقلقي المنفيّ على ورقة بريئة لا تعرف سوى البياض، تتحمل وزر فك شيفرة توتر دائم حائرٍ بين السؤال والعجز عن الإجابة. أي إن الشعر اختار أن يعرّيني، أن يقول: هذا هو بآلامه لمن يريد أن يقرأه.
ـ في مشروعك الشعري، يبدو أنك تبحث عن “جهة خامسة” خارج خرائط اللغة. هل هذه الجهة خلاصٌ روحي، أم محاولة لإعادة تعريف الإنسان داخل القصيدة؟
أجزم أن كثيرين حين انفلتوا من عنق الزجاجة، كانوا يفكّرون بالجهة الخامسة، لم يحدد أيٌّ منهم أن يستقر على شجرة محددة، أو بين جدران تغطيها الثلوج.
الجهة الخامسة ليست مكاناً، بل لحظة ارتباك وبحث في المجهول، نقطة تبدو فيها الجهات الأربع عاجزة عن تقديم نفسها كما توقعها الإنسان. جهةٌ تجرّده من همومه التي حملها على كتفيه سنوات طويلة معتقداً أن الأرض تسع الجميع، جهة تجرّده من كل ما سبق. إنها بحث عمّا يعيده إلى إنسانيته قبل أن تبتلعه الشعارات، ثم يصبح رقماً أو هوية مجروحة. محاولة لتهريب الألم وكشف هشاشة الإنسان أمام من لا يراه، ويجهل همومه.
تحوّل
ـ هل ترى أن الحداثة التي تنتمي إليها ما زالت مشروعًا مفتوحاً، أم أنها تحوّلت إلى طبقة جديدة من التقاليد تحتاج إلى زلزال شعري؟
كل استقرار للحداثة هو جمود، وخروج عن روحها المتيقظة لتغيير الجلد باستمرار لئلا تصبح مجرد أثاث. إنها أسلوب متحوّل وليست ذائقة يمكن تقليدها بلعبة لغوية خارج الرؤية وعمق السؤال، إنها روح متجددة وحالة شك دائم لا ترتبط بمرحلة زمنية، بل بالتجريب وخيانة اللغة وهدم الأدوات بشكل مستمر في محاولة لإعادة البناء.
الشعر يحتاج إلى جعل اللغة تسير في حقل ألغام، قادرة على العبور والتشكل حتى في تشظيها.
ـ ما اللحظة التي أدركت فيها أن القصيدة ليست نصاً، بل كائن يغيّر مصير كاتبه؟
أدركت ذلك مذ تيقنت أن النص كائن حي، صديق يشعر بصاحبه ويحمل همومه على كتفيه، وبين أحرفه، حتى أن عمق هذه العلاقة كان تهديداً لي، أفقدني كثيراً من الأشياء، الصداقات، الطمأنينة، المكاسب التي تأتي بنص قابل للتنازلات، لأن النص الحقيقي له ثمن لا يقاس بالمال، لكنني تعاهدت والنص على أن ننأى بعيداً، ونكتب كما ينبغي ونعيد ترتيب حياتنا، ونفرض إيقاعها كما نرغب، وإن خسرنا الكثير من الأشياء، مقابل أن نبقى في البعيد.
إن اللحظة التي تغيّرُ هي التي تجعلك بعد كتابة النص شخصاً غير الذي كنته.
عالم واحد
ـ في تجربتك، كيف يتجاور الهشّ والقاسي، الفردي والجمعي، داخل النص؟ وهل يمكن للشعر أن يحمل كل هذا دون أن ينكسر؟
كل هذا قد يتداخل في النص ويشكّل عالماً واحداً، هو الإنسان من الداخل.
في النص الجديد لا نفصل بين الفردي والجمعي فالأول يمثل الثاني، ذلك أن الجرح الشخصي نزف أول من جرح جماعي، كما أن لا جرح جماعياً دون أن يبدأ فردياً.
الشعر وليد كل هذا التوتر، والنص لا يكتمل دون انكسار. في أحيان كثيرة أنت لا تدرك كيف دخلت إلى النص وكيف خرجت منه، دهاليز كثيرة تقودك إلى اللاوعي، والشتات، ونقاط مظلمة في العقل، وأنت تحاول اصطياد الطريق الصحيح للنجاة، والقبض على لحظات هاربة، قد تتفاجأ أحياناً أنك دخلت دون أن تقصد الخروج بهذه الغنيمة، أو حتى محوها حين تستيقظ من هذيانك. أظن أن الشعر حالة من حالات الجنون! الانكسار ليس فشلاً في تجربة قادرة على إعادة تشكيل نفسها.
ـ هل يكتب دخيل الخليفة ليقاوم النسيان، أم ليمنح الذاكرة شكلاً آخر أكثر احتمالاً؟
الشعر يخون الذاكرة أحياناً، يربك ترتيبها ولا يعيد صياغته إلا لينتج شيئاً آخر، شيئاً قد يمحو ما اعتادت على تخزينه طيلة ما مضى، فيتحول إلى نص يجددها، ويزرع فيها أفقاً لم تكن حجزت مكاناً له، لذا تحاول جاهدة حفظه، تأخذ شكلاً مختلفاً قد يكون أقل ألماً عبر مجاز يعطي أكثر من صورة قابلة للتأمل وربما فتح نافذة للنسيان. الشاعر يسمح لذاكرته بالخيانة، لأنه لا يريدها أن تقود النص دون أن يمر على ذات قادرة على إعادة صياغته. لذا قد تأتي على هيئة جملة مبتورة، أو حدثٍ يفقد الترتيب الذي احتفظت به، وتضاف إليه أبعاد نفسية ولغوية خارج سياق الواقع. نحن نترك للنسيان أشياء ونأخذ منه أخرى لنبقى فاعلين في الحياة.
قيمة التجاوز
ـ عندما تعيد قراءة نصوصك القديمة، هل تراها كما لو كتبها شخص آخر، أم أنك ما زلت قادرًا على التعرف إلى نفسك فيها؟
إن قرأت قديمك وشعرت أنك تنتمي له كلياً هذا يعني أنك لم تخرج من الدائرة، وإنما وقعت أسير ماضيك، لكن حين تقرأه وكأنه يمر عليك للمرة الأولى حاملاً دهشته فهذا يؤكد أنه وليد طاقة إبداعية عابرة للزمن. لا أحن إلى كثير من القديم لأنني أبحث عن الجديد والمبتكر، لا أريد المراوحة في مكان واحد، وتلك النصوص كانت ضرورية كي أصل إلى ما هو أبعد. نعم أقرأ نصوصي القديمة كمتلقٍّ عادي، وأحياناً لا تعجبني بعض المواضع في نصوصي، وهذا شيء إيجابي يؤكد قيمة التجاوز.
ـ ماذا يعني لك أن تصل مجموعتك الكاملة إلى سوريا، البلد الذي ظلّ رغم جراحه وفيّاً للشعر، وكأنه يقرأ ليبقى؟
سوريا منبع لتصدير الإبداع، وقلب نابض في خارطتنا العربية الكبرى، وكل أصدقائي يعرفون عشقي لها ولشعبها، رغم أنني زرتها مرة واحدة في حياتي. السوريون لا يقرؤون الشعر لقتل الوقت، بل يعتبرونه جزءاً من عوالمهم اليومية، مكوّناً رئيسياً لأرواحهم، لا تجد عشاقاً للشعر أكثر من السوريين والعراقيين على امتداد خارطتنا. وحين تصل مجموعتي الكاملة “بحثاً عن جهة خامسة” إلى سوريا عبر معرض دمشق فهذا يعني أنني دخلت في المختبر الأصعب، وهذا شرف لي.
قبل عام تقريباً أقيمت أصبوحة في أحد منتديات حلب حول بعض نصوصي، أشرف عليها الناقد نذير جعفر بحضور عدد كبير من الأدباء، وسرّني أن أقرأ الأصداء.
الإنسان السوري يدرك أن اللغة بيت، والقصيدة أسلوب حياة.
ـ كيف ترى أهمية أن تُعرض تجربتك في معرض يضم قرّاء يعتبرون الشعر جزءاً من تكوينهم الثقافي، لا ترفاً ولا مناسبة؟
أمام عيون السوريين لا تستطيع القصيدة المراوغة أو الهروب، إما تثبت حضورها أو تتنحى جانباً، وشخصياً أعشق هكذا تحديات بوجود قارئ مختلف، وشعراء يدركون أهمية النص المغاير، ونقاد يبرزون مشارطهم النقدية دون توصية من أحد.
مرآة للألم
ـ ما الذي تتمنى أن يلتقطه القارئ السوري من روح مجموعتك الكاملة، القارئ الذي عاش الحرب، الفقد، والبحث الدائم عن معنى؟
أظن أن المجموعة مرآة للألم الإنساني، هي تمثل كل هؤلاء الذين عاشوا حياة متشظية، غارقة بالقلق والحروب والقهر والفقد. الألم ليس صديقاً لأحد دون آخر، لذا سيرى السوري وجوهاً بلا ملامح، وجندياً عاد مجرد ذكرى على أكتاف العابرين، وسيرى بيتاً مهدوماً، وشارعاً خالياً من رائحة الناس، وأصدقاء توزعوا بين القارات، وسيقرأ عن الحب وسط كل هذه الظروف.. النص ليس ترفاً، إنه وطن لكل الحالمين بحياة مليئة بالأسئلة التي تبحث عن إجابات.
ـ هل حضور القصيدة الخليجية في هذا المعرض هو عودة إلى جذورها العربية الأولى، أم خطوة نحو أن يصبح الشعر الخليجي جزءًا من المشهد الثقافي السوري بشكل أعمق؟
الشعر العربي واحد وإن اختلفت المستويات وروافد الإبداع، الانفتاح التكنولوجي الكبير ألغى كل هذه الفوارق بين البلدان، والكل أصبح جزءاً من هوية كونية، لا نريد للشعر في أي بلد عربي أن يكتفي بمحليته، لأنه سيموت. الشعر يتطور بالتلاقح والاشتباك مع الآخر؛ صحيح أن الإبداع الخليجي في السابق لم يجد موطئ قدم للانتشار في سوريا وبلدان أخرى نتيجة أوضاع سياسية وفكرية، لكنه الآن سيجد متسعاً للتواجد وهو جدير بذلك.
والعكس صحيح أيضاً، فمبدعو الداخل السوري حرموا من الظهور، والنشر في الخارج لسنوات طويلة.
ما أريد قوله إن القارئ السوري يجب أن يتفحّص التجربة الخليجية عن قرب أيضاً، بعيداً عن أي مواقف وأحكام مسبقة، ثمة تجارب شعرية وسردية مهمة جداً.
شخصياً لا أقيم عوازل بيني وبين أي إبداع في العالم، لذا قرأت أغلب التجارب الشعرية السورية مبكراً، ومازلت أراقب حتى الأسماء الجديدة.
التصفيق والعمق
ـ هل يوجد قارئ معياري خاص تستهدفه في نصوصك، وما مواصفات قارئك الخاص؟
النص الجديد والنوعي يخلق قارئه فرداً فرداً، العملية الإبداعية لا تحتاج جمهوراً من المصفقين، ولا تحتاج جمهور كرة قدم، كل ما تتفق عليه العامة أعتبره خارج سياق التفرد والإبداع، لأنه مكتوب لذائقة جماعية، تريد شعراً تعليمياً، لكن التلقي كما ذكرنا يختلف من فرد لآخر، لذلك تجد أحياناً متلقياً يغادر القاعة تاركاً الشاعر التقليدي لمن يعشقون طرحه المباشر، لأنه تجاوز هكذا شعر منذ سنوات قراءته الأولى. لكن السؤال: هل كثرة الجمهور وتصفيقه تعني إبداعاً؟ تعني عمقاً؟ وهل هكذا نص ـ مناسباتي في الغالب ـ يحمل قيمة إبداعية عابرة للزمن؟ بالتأكيد لا.
لا أحتاج قارئاً يريد أن أفصّل النص على مزاجه، بل أحتاج قارئاً يشاركني كتابة النص بتلقّيه المتفرد الذي يضيف لنصي أبعاداً أخرى.
ـ تكتب شعر التّفعيلة وقصيدة النّثر بنفس الرّوح المحلّقة والقدرة على الإدهاش، إلى أيٍ مدى تؤمن بكونيّة القصيدة بعيداً عن جنسها؟
الشاعر من رسل الإنسانية، يتألم لأي حدث يمس الإنسان أينما كان، ويطمح لعالم مثالي، ولولا ذلك لما وجدت “الترجمة” ونحن الآن على خط تماس واحد مع العالم، أو لنقل في دائرة واحدة، أخذنا منهم “قصيدة النثر” مثلما تأثرت “السوناتات” وشعرهم الحر بنظام التفعيلة عندنا، فظهرت عندهم بحور “الدوبيت” و”السكندري” و”الأيامبي” وغيرها.
كتبتُ بكل الأشكال، وقلت مراراً إنني أكتب “الشعر” أولاً بعيداً عن مفهوم “الشكل” لإيماني أن الشكل يأتي لاحقاً للكتابة، وحتى لو ظهر شكل جديد سأمارسه. تركت الشكل “العمودي” منذ العام 1993 ليقيني أنه شكل استنفد طاقته الإبداعية، وحملت مجموعتي الأولى “عيون على بوابة المنفى” قرابة 11 قصيدة عمودية، وبدأت بتجربة قصيدة النثر بقاموس خاص تقريباً حمل طابع البداوة في المجموعة الثالثة “صحراء تخرج من فضاء القميص” وبعدها كانت كل نصوصي تتراوح بين التفعيلة والنثر. تجاوزت مبكراً سلطة “المتلقّي” ووهمه الأزلي بقضية الشكل.
أفترض أنني أكتب لقارئ كوني، ولنقل أيضاً أنه “قارئ مُتخيّل”.. يقرأ ما وراء السطور دون النظر لشكل النص، وبكل الأحوال ـ سواء وُجد هذا القارئ أم لا ـ فإنني أكتب نصي دون رقيب في عقلي يملي عليّ شكلاً أو نوعاً ما، لأن هذا مضاد للإبداع.
كشف الأقنعة
ـ هل تؤمن أن الشعر قادر على ترميم الإنسان، أم أنه يكتفي بالكشف عن شقوقه؟
ربما يفعل الأمرين معًا. على الأقل يمكّنك من النظر إلى روحك، أن تتمرأى في الداخل، أن تكشف الأقنعة المحيطة بك، أو تلك الغشاوة التي لم تقرأ بسببها جرحك، لا يقين في الشعر يجعله علاجاً بقدر ما يكشف جروحك لك وللآخرين فتصبح أكثر شفافية وتحمّلاً بعد كتابتك نصاً يمثلك، ولا أدري إن كان هذا الوهم اللغوي خيانة للجرح، أم ترميماً يجعلك أخف توتراً.
ـ ما الذي خسرته بسبب الشعر، وما الذي أنقذك منه؟
لابد للشاعر من خسارات خارجة عن إرادته، لأن الشعر يسرقك من كل شيء، لن تعيش كأي كائن بلا أسئلة ولا حرب مع النفس وتآكل للذات التي تجعل هموم الآخرين جزءاً من تكوينها، تتعايش معها لتعيد إنتاجها بشكل آخر. أنظر حولي لآخرين لا يكتبون ولا يقرؤون الشعر فأراهم أكثر هدوءاً وراحة بال، لا أدري إن كنا نعيش الوهم أكثر من اللازم، أشك في أننا نساهم فعلاً في إعادة بناء عالم ثلاثة أرباعه لا علاقة لهم بالنص الشعري الجديد، ولا يستوعبون أسئلته. أحياناً أتساءل: “ماذا لو لم أكتب! ماذا لو انتبهت إلى التجارة أو الطب مثلاً؟” فأكتشف أن خياري لم يكن بيدي، فلا الفقير سيصبح تاجراً، ولا جريح الهوية يمكنه استكمال دراسته! لكن الشعر على الأقل جعلني صديقاً لكثيرين، مثلما جلب لي عداوات قليلة، لأنه لا يحب المجاملات، ولا يثق بالعلاقات السطحية، ولا يجعلك كائناً مطيعاً أو شاهد زور. الشعر جعلني أكثر وعياً بخسائري دون أن يمنحني حياة أفضل، ومع هذا أنا سعيد بأن أنام بعين مفتوحة.
ومن قصائده “فقدتُ رأسي في حرب”:
أكسِرُ المرآةَ فيَنزُّ دمُها من وجْهي
أمْسَحُ ملامِحي
فتجْرحُني شظايا ذاكرةٍ بلا أسنان
عينٌ على نافذةٍ
يدٌ على بابٍ
وقدَمٌ تسْرَحُ في الهَواء!
فرّتْ عصافيرُ من رأسي
تسَرّبتْ مُفرداتٌ مسْجونة
ولمْ تزَلْ قدمايَ فوقَ حبْلٍ مُرْتَخٍ
تهزآنِ من سَنواتٍ عبرَتِ الحدودَ
مَهزومةً على بِساطِ الرّيح.
أمشي على رأسي؛
صاعداً إلى أسفلِ البئر!
كُلّما سقطَ ضِلْعٌ
وضَعْتُهُ في جَيْبٍ مَثقوب
أسمعُ صمْتَ الوقتِ المهْدورِ بين حربَيْن
فقدْتُ رأسيَ في حرْبٍ،
نسِيتُ ساقيَّ في جَحيمِ حرْبٍ أُخرَى،
وكُلّما نَهشَني تُرابٌ مَسْعورٌ
نَهضْتُ أحتضِنُ القلبَ الذي أوْرَثني
كلَّ هذهِ القبورِ المكْشوفة!
يخرج القارئ من عالم دخيل الخليفة كما يخرج من حرب داخلية مثقلاً بالأسئلة، خفيفاً من الأوهام، محمولاً على كتف لغة تعرف كيف تجرح وكيف تضيء.
إنه شاعر لا يكتب ليصفّق له الجمهور، بل ليخلق قارئاً واحداً يشاركه النص، ويعيد معه ترتيب الخراب. شاعر ينام بعين مفتوحة، لأن الشعر لا يسمح له بإغلاقهما معاً.